تبدو المواقف السعودية والإماراتية من حرب غزة أكثر وضوحًا الآن بعد مرور عامٍ على اندلاعها.

فبينما كانت الأنظار تتجه إلى جهود الوساطة ووقف إطلاق النار، تكشف مصادر رفيعة لموقع Middle East Eye أن الرياض وأبو ظبي لم تكونا راغبتين فعليًا في هدنة تسمح لحماس بالبقاء، بل شعرتا بالإحباط لأن المفاوضات لم تؤدِّ إلى “تفكيك الحركة بالكامل”.

هذا الموقف لا يعكس حسابات دبلوماسية بقدر ما يعكس هاجسًا أمنيًا داخليًا لدى النظامين:

الخوف من أن تتحول “قصة حماس” — المقاومة الشعبية ذات المرجعية الإسلامية — إلى مرآة محرجة لمجتمعَيْن يعيشان تحت إصلاحات فوقية علمانية الطابع، تُفرض بقوة القمع لا بالإجماع.

 

غيابٌ لافت ورسالة إلى القاهرة

 

الغياب المتعمد لولي العهد السعودي محمد بن سلمان وولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد عن مؤتمر شرم الشيخ حول غزة لم يكن صدفة دبلوماسية، بل إشارة سياسية مزدوجة: 

امتعاض من طريقة إدارة مصر للمفاوضات،وتأكيد على أن الملف الفلسطيني لم يعد أولوية سياسية لدى الرياض وأبو ظبي ما لم يخدم حساباتهما الإقليمية الخاصة.

هذا الفتور الخليجي تجاه القاهرة يأتي في وقت تتزايد فيه الفجوة بين الدول الثلاث بشأن التعامل مع “حماس” ومستقبل غزة.

فبينما تحاول مصر الحفاظ على دور الوسيط، تصر السعودية والإمارات على أن أي تسوية يجب أن تنتهي بـإضعاف أو إزالة الحركة نهائيًا من المشهد.

 

خوف العقيدة قبل خوف السياسة

 

يقول مصدر سعودي رفيع لموقع Middle East Eye إن “المملكة تخشى أن تلقى قصة حماس صدى لدى السعوديين الذين يشككون بالفعل في التوجه الليبرالي الجديد للبلاد”.

هذه الجملة تختصر عمق المعضلة:

محمد بن سلمان، الذي يقدم نفسه كقائد “التحول الاجتماعي”، يدرك أن خطابه المنفتح لا يجد قبولًا واسعًا في مجتمع محافظ يرى في المقاومة الفلسطينية رمزًا للشجاعة والإيمان والكرامة.

في المقابل، تمثل حماس بالنسبة للسلطة السعودية تهديدًا مزدوجًا: فهي من جهة امتداد تاريخي للحركات الإسلامية التي قاومت الأنظمة الملكية، ومن جهة أخرى رمزٌ لجاذبيةٍ دينية وشعبية يصعب على الدولة منافستها بخطاب الترفيه والانفتاح.

 

الإمارات والسعودية… وحدة الخوف

 

أكد مصدر إماراتي مطلع أن الرياض وأبو ظبي تتقاسمان القناعة نفسها:

أي هدنة تبقي حماس على قيد الحياة تُعد فشلًا استراتيجيًا.

ففي حسابات محمد بن زايد، تمثل الحركات الإسلامية تهديدًا وجوديًا منذ صعود الربيع العربي،

وفي حسابات محمد بن سلمان، أي نموذج مقاوم ناجح يفضح هشاشة الخطاب الوطني القائم على الطاعة والمال.

كلا النظامين يريد شرقًا أوسط “مستقرًا” على طريقته:

أي بلا احتجاجات، بلا مقاومة، بلا وعي شعبي سياسي. ومن هذا المنظور، لا تُرى غزة إلا كملف أمني لا كقضية تحرر.

 

تحوّل في البوصلة الخليجية

 

حين أطلقت السعودية “مبادرة السلام العربية” في 2002، كانت تتحدث بلغة الدولة العربية الكبرى الراعية للقضية الفلسطينية.

اليوم، بعد عقدين، تتحدث بلغة السوق والمشروعات و”رؤية 2030″.

القضية الفلسطينية لم تختفِ من الخطاب فحسب، بل أصبحت مشكلة يجب “إدارتها” لا الدفاع عنها.

في ظل هذا التحول، يصبح الموقف من حماس انعكاسًا للموقف من أي قوة مجتمعية لا يمكن احتواؤها.

وبذلك تتحول السياسة الخارجية السعودية-الإماراتية إلى إسقاطٍ لمخاوف الداخل على ملفات الخارج.

 

أثر التوتر على النظام الإقليمي

 

تثير هذه المواقف انزعاج القاهرة والدوحة، اللتين ترغبان في تهدئة تحفظ الحد الأدنى من التوازن في غزة.

بينما تدفع الرياض وأبو ظبي نحو مقاربة أمنية صارمة تعيد تشكيل القطاع تحت إشراف أطراف “مضمونة الولاء”، حتى لو جاء ذلك على حساب حياة الفلسطينيين واستقرار المنطقة.

هذا النهج يضع السعودية والإمارات في موقعٍ متناقض مع الرأي العام العربي، ويؤكد أن خطابهما الجديد عن “الاعتدال” ليس سوى تجميل سياسي لاستبداد قديم.

 

صدى غزة في القصر

 

الرسالة الحقيقية التي تبعثها الرياض وأبو ظبي ليست إلى تل أبيب، بل إلى الداخل الخليجي: أن أي مشروع مقاومة، حتى لو كان بعيدًا آلاف الكيلومترات، سيُعامَل كتهديد للأمن والنظام.

لكن التاريخ يُظهر أن الأفكار لا تُقمع بالقوة، وأن “عدوى” الكرامة قد تتسلل بصمت حتى إلى أكثر القصور تحصينًا.

غزة لم تهزم حماس، لكنها كشفت خوفًا أعمق لدى من يدّعون القوة: الخوف من شعبٍ يجد في المقاومة معنىً لحياته، بينما لا يجد حكامه في الإصلاح سوى وسيلة للبقاء.