أثار البيان الأخير الصادر عن المجلس الرئاسي الليبي، بقيادة محمد المنفي بصفته القائد الأعلى للجيش، جدلًا واسعًا بشأن مصير العاصمة طرابلس التي تشهد منذ أسابيع تحركات عسكرية وتحشيدات متبادلة بين قوات حكومة عبدالحميد الدبيبة وجهاز الردع.
البيان، الذي شدد على رفض أي انتشار أو تمركز خارج الأطر الرسمية ودعا القوات القادمة من مصراتة للعودة إلى معسكراتها، جاء في وقت تزايدت فيه المخاوف من اندلاع مواجهة عسكرية جديدة في قلب العاصمة، وسط تساؤلات حول قدرة الرئاسي فعليًا على فرض كلمته في مواجهة صراع معقّد تدفعه حسابات داخلية وضغوط خارجية متشابكة.
صراع على السيطرة ومرافق حيوية تحت النار
الصراع الحالي في طرابلس ليس مجرد خلاف بين حكومة رسمية وجهاز أمني، بل هو انعكاس لتنافس أكبر على السيطرة على المؤسسات الحيوية في العاصمة. فجهاز الردع، الذي برز كأكبر قوة مسلحة في طرابلس بعد تفكك تشكيلات أخرى، يسيطر على مواقع استراتيجية مثل مطار معيتيقة الدولي وميناء طرابلس البحري، إضافة إلى سجن كبير يضم آلاف المعتقلين.
هذا النفوذ الواسع جعل الدبيبة يرى في الردع خصمًا يهدد بقاء حكومته، إذ إن مؤسسات كهذه يجب – من وجهة نظره – أن تكون تحت سيطرة الدولة وليس بيد قوة لا تخضع لأوامر وزارته.
لذلك يضغط باتجاه تحجيم الردع أو تفكيكه، في وقت يجد فيه المجلس الرئاسي نفسه معتمدًا على هذه القوة لحماية وجوده، ما يزيد من تضارب الصلاحيات ويعقد المشهد أكثر.
الرئاسي بين العجز الشكلي ومحاولات إثبات الوجود
رغم الصيغة الحادة التي ورد بها بيان المجلس الرئاسي، إلا أن قدرته العملية على منع الحرب تبقى موضع شك. فمنذ سنوات، تعاني ليبيا من انفلات السلاح وتعدد مراكز القوة المسلحة، بحيث باتت كل مجموعة تعترف بالرئاسي فقط حين تحتاج غطاءً شرعيًا لأفعالها، بينما ترفض عمليًا الانصياع لأوامره.
هذه الحالة تضع المنفي أمام معضلة: فهو يملك صفة القائد الأعلى للجيش، لكن لا سلطة حقيقية له على الأرض. وبيانه الأخير يمكن فهمه كمحاولة لإثبات الوجود في مواجهة هيمنة الدبيبة، أكثر من كونه قرارًا حاسمًا قادرًا على وقف التحركات العسكرية. بل إن كثيرًا من المراقبين يرون أن الرئاسي قد يُستغل كواجهة لإضفاء “شرعية شكلية” على التفاهمات المؤقتة، حين يحتاج أحد الأطراف إلى مخرج يحفظ ماء الوجه دون الدخول في مواجهة مكلفة.
التدخل الإماراتي وتأجيج النزاع
في خلفية هذا الصراع، يبرز الدور الإماراتي الذي طالما كان أحد أبرز عوامل التأجيج في ليبيا. فمنذ سقوط نظام القذافي، لعبت أبوظبي دور الممول والمحرّض لمختلف الفصائل، دعمًا لمشروعها في فرض نفوذ إقليمي يتجاوز حدود الخليج.
في طرابلس تحديدًا، تسعى الإمارات إلى إضعاف أي قوة مسلحة قد تقف في وجه مشروعها، سواء عبر الدعم المالي والعسكري لبعض التشكيلات أو عبر تغذية الانقسام بين الحكومة والمجلس الرئاسي. الهدف هو استمرار حالة الفوضى بما يسمح لأبوظبي باستخدام الورقة الليبية في مساوماتها الإقليمية، خصوصًا مع مصر وتركيا.
مصادر ميدانية تؤكد أن السلاح الإماراتي وصل مرارًا إلى غرب ليبيا بطرق ملتوية، وأن الدعم الاستخباري والمالي استُخدم لتعزيز بعض المجموعات على حساب أخرى، ما ساهم في إبقاء العاصمة ساحة صراع مفتوح. وبالتالي، فإن أي حديث عن اندلاع حرب جديدة لا يمكن فصله عن محاولات الإمارات استثمار النزاع الداخلي لإعادة إنتاج مشهد شبيه بما صنعته في شرق ليبيا مع قوات حفتر.
حسابات الأطراف: لا أحد يريد أن يظهر خاسرًا
مع ذلك، فإن كلًا من حكومة الدبيبة وجهاز الردع لا يرغبان فعليًا في الحرب. الدبيبة يخشى أن يخرج ضعيفًا إذا فشل في الحسم، بينما الردع يعرف أن مواجهة مفتوحة قد تستنزفه وتدفع الأطراف الدولية للتدخل ضده. لهذا، تبقى التصريحات المتشددة أقرب إلى أوراق ضغط تفاوضية منها إلى استعداد فعلي للمعركة.
في هذا السياق، يصبح بيان الرئاسي أداة مناسبة للالتفاف على الحرج: فالأطراف تلوّح بالحرب لكنها في العمق تبحث عن مخرج تفاوضي يحفظ ماء الوجه. وعندما يصدر المنفي قرارات رافضة للتصعيد، يجد فيها الجميع فرصة للتراجع دون أن يظهر بمظهر المهزوم.
مستقبل العاصمة: بين الفوضى والتسويات المؤقتة
طرابلس اليوم على مفترق طرق. فإما أن تنجح التفاهمات غير المعلنة في تجنيبها مواجهة دموية جديدة، أو أن ينزلق المشهد إلى حرب شوارع قد تعيد إنتاج مراكز قوى جديدة أشد انفلاتًا. والأخطر أن التدخلات الخارجية – خصوصًا الإماراتية – تجعل أي تسوية هشة، لأنها تقوم على مصالح آنية لا على حلول جذرية.
ما يمكن الجزم به أن استمرار الانقسام بين المجلس الرئاسي والحكومة، وغياب مؤسسة عسكرية موحدة، سيبقي العاصمة رهينة لتوازنات الميليشيات وضغوط الخارج. ولعل أبرز ما يكشفه هذا الوضع أن ليبيا ما زالت بعيدة عن استقرار حقيقي، وأن كل جولة صراع مؤجلة تعني بالضرورة انفجارًا أكبر في المستقبل.
خلاصة: الرئاسي يرفض والحرب مؤجلة لا ملغاة
بيان الرئاسي الأخير قد يوقف جرس الحرب مؤقتًا، لكنه لا يعالج جذور الأزمة. فالتناقض بين حكومة الدبيبة وجهاز الردع، والدور الإماراتي في تأجيج النزاع، يعكس أن طرابلس تعيش فوق برميل بارود مؤجل. الحرب قد لا تقع غدًا، لكن كل المؤشرات تقول إن غياب حل سياسي شامل، واستمرار توظيف السلاح من قبل الخارج والداخل، يجعل العاصمة في قلب العاصفة القادمة.
اقرأ أيضًا : الإمارات دمّرت السودان.. فاجعة انزلاق أرضي تحصد أكثر من ألف روح في دارفور