في أواخر سبتمبر، ستسلّط الأضواء على الرياض مجددًا وهي تستضيف بطولة كأس العالم للرياضات الإلكترونية FIFAe 2025. ظاهريًا، الحدث يبدو كعرض عالمي للتكنولوجيا والرياضة، لكنه في العمق يعكس تحولًا سياسيًا خطيرًا: الإسرائيليون يعودون إلى العاصمة السعودية مرة أخرى، ليس عبر المؤتمرات السياسية أو الصفقات المعلنة، بل من خلال شاشات اللعب ومنصات الترفيه.
ذاكرة بطولات سابقة حين رُفع العلم الإسرائيلي
المشاركة الإسرائيلية ليست سيناريو افتراضيًا؛ فالفريق يخوض بالفعل التصفيات الإقليمية سعيًا لتمثيل كيانه في الرياض، كما فعل في بطولات سابقة. الذاكرة لا تزال حاضرة: عام 2023، ارتفع العلم الإسرائيلي في بطولة الأمم FIFAe في الرياض، وتغنى اللاعبون بنشيدهم الوطني أمام كاميرات العالم، في مشهد كان حتى سنوات قليلة غير قابل للتخيل. ثم تكرر الحضور في Gamers8 2023 وRiyadh Masters، وصولًا إلى النسخة الماضية من كأس العالم للرياضات الإلكترونية عام 2024. لم يكن ذلك مجرد رياضة، بل تطبيع ناعم تحت ستار المنافسة.
الترفيه كجسر للتطبيع
الرياضات الإلكترونية أصبحت أداة مدروسة ضمن مشروع سياسي أشمل: تمرير التطبيع عبر الترفيه. فالنظام السعودي يدرك حساسية الإعلان المباشر عن اتفاق رسمي، لكنه يفتح المجال تدريجيًا عبر هذه البطولات. يتكرر المشهد عامًا بعد عام حتى يصبح مألوفًا أن يُشارك لاعبون إسرائيليون في قلب الرياض دون اعتراض، بل مع حماية أمنية رسمية. إنها ليست مجرد “منافسة شبابية”، بل هندسة للوعي العام؛ إذ يُراد للجماهير أن تربط اسم إسرائيل بالبطولات والتكنولوجيا والجوائز، لا بالاحتلال والقمع.
في هذا السياق، قال الصحفي الأمريكي بن هابيرد، المتخصص في شؤون الخليج:
“محمد بن سلمان يستخدم الرياضات الإلكترونية والفعاليات الترفيهية كقنوات خلفية لتطبيع بطيء ومدروس مع إسرائيل، بحيث يصبح وجودها على الأرض السعودية أمرًا طبيعيًا بمرور الوقت.”
عمال البطولة الوجه المسكوت عنه
خلف هذا البريق، هناك قصص أخرى لا تحظى بالاهتمام. الفعاليات الضخمة مثل FIFAe تستند إلى جيش من العمالة الوافدة التي تتحمل الأعباء الحقيقية: ساعات عمل طويلة، أجور متأخرة، غياب ضمانات صحية وسكنية. هذه البطولة التي تُسوَّق كواجهة للحداثة مبنية في واقع الأمر على عرق وأجساد عمال لا يراهم أحد، في مشهد يُشبه ما يحدث في مشاريع نيوم والقدية: صورة براقة في الأعلى، واستغلال مظلم في الأسفل.
الاقتصاد غطاء دعائي لا أكثر
النظام يبرر استضافة هذه البطولات بأنها جزء من “تنويع الاقتصاد”، لكن التجربة أثبتت أن العوائد الاقتصادية المباشرة محدودة للغاية مقارنة بالمليارات التي تُضخ في التنظيم والدعاية. الهدف الحقيقي ليس المال، بل الشرعية السياسية: تقديم السعودية للعالم كدولة منفتحة تستضيف أضخم الفعاليات، حتى لو كان الثمن تطبيعًا متدرجًا مع إسرائيل.
ويؤكد المحلل البريطاني كريستوفر ديفيدسون، المتخصص في شؤون الخليج:
“الرياض تنفق مليارات الدولارات على استضافة بطولات لا تعود بفوائد اقتصادية ملموسة، لكنها تراهن على عائد سياسي يتمثل في شراء شرعية دولية والتقرب من مراكز النفوذ الغربي والإسرائيلي.”
رؤية 2030 والألعاب الإلكترونية
الأمر الأكثر خطورة أن هذه البطولات تُستغل كجزء من مشروع محمد بن سلمان لإعادة رسم صورة المملكة. “رؤية 2030” لم تنجح في كسر الاعتماد على النفط أو جذب استثمارات ضخمة كما وُعد، لكن قطاع الألعاب والرياضات الإلكترونية أصبح البديل الترويجي المفضل. عبر شركة Savvy Gaming Group، ضخت السعودية أكثر من 38 مليار دولار للاستحواذ على حصص في شركات ألعاب عالمية، بهدف جعل الرياض “عاصمة للألعاب الإلكترونية”. لكن ما يغيب عن هذا الخطاب الدعائي أن الاستثمار ليس بريئًا: إنه جسر لتطبيع سياسي يمر من خلال الألعاب، حيث تصبح المنصات الرقمية بوابة لشرعنة وجود إسرائيلي متكرر على الأرض السعودية.
الأرقام تكشف حجم السوق الحقيقي
تشير تقارير متخصصة إلى أن سوق الألعاب الإلكترونية في السعودية بلغ حوالي 1.3 مليار دولار سنويًا في 2024، مع توقعات بوصوله إلى 6.8 مليار دولار بحلول 2030. ورغم هذه الأرقام التي تبدو واعدة، إلا أن الفجوة واضحة: الدولة تنفق عشرات المليارات عبر صندوق الاستثمارات وشركة Savvy Gaming Group، بينما العوائد المحلية المباشرة ما تزال محدودة للغاية. هذا التناقض يوضح أن الهدف ليس بناء صناعة مستدامة، بل تسويق صورة دعائية وإضفاء بريق على “رؤية 2030”، حتى لو كان الثمن هدرًا ماليًا وتطبيعًا سياسيًا مقنّعًا.
ألعاب إلكترونية لكن اللعبة الحقيقية سياسية
كأس العالم FIFAe 2025 ليس حدثًا عابرًا. إنه جزء من مشهد أكبر تُستخدم فيه الرياضة كأداة لتطبيع الاحتلال وتبييض صورة نظام مأزوم. كل مباراة تُلعب على أرض الرياض، وكل علم إسرائيلي قد يُرفع في التصفيات النهائية، ليس سوى إعلان جديد أن التطبيع لم يعد حدثًا مستترًا، بل حقيقة تُفرض عبر الترفيه.
النهاية “FIFAe في الرياض حيث تتحول الألعاب إلى سياسة والتطبيع إلى مشهد اعتيادي”