بينما يحاول ولي العهد السعودي محمد بن سلمان تقديم نفسه كإصلاحي حديث يقود “ثورة ناعمة” لتحرير المرأة السعودية ومنحها الحقوق، تكشف شهادات وتقارير دولية أن واقع النساء في المملكة لا يزال مظلماً، خاصة داخل ما يُعرف بـ”دور الرعاية”، وهي مؤسسات مغلقة تشبه السجون السرية، تُحتجز فيها مئات النساء والفتيات تحت ذرائع تتعلق بـ”العصيان الأسري” أو “تشويه سمعة العائلة”.
هذه المؤسسات، التي تروج لها السلطات كمراكز دعم للفتيات في ظروف صعبة، تُمارس فيها أشكال متعددة من الانتهاكات التي لا تقل عن التعذيب النفسي والجسدي، بحسب ما كشفه تحقيق حديث لصحيفة الغارديان.
التحقيق تضمن شهادات مؤلمة لناجيات وناشطات حقوقيات، بينهن مريم الدوسري المقيمة في لندن، اللواتي وصفن الدور بأنها “مواقع للعقاب وليس للعلاج”، وتحدثن عن “جلد أسبوعي”، ومنع تام من التواصل مع العالم الخارجي، وحالات متكررة لمحاولات انتحار في ظل بيئة مغلقة وقهرية.

التنكيل بدل الدعم: مؤسسات إعادة السيطرة
وفقًا لتلك الشهادات، فإن هذه الدور لا تُستخدم فقط لاحتجاز الفتيات الخارجات من منازل ذويهن أو المبلغات عن عنف أسري، بل تتحول إلى وسيلة للانتقام منهن وإجبارهن على الخضوع مجددًا للسلطة الذكورية.
أحد الأمثلة الصارخة هي “ليلى”، التي وُضعت في الدار بعد أن اشتكت من اعتداء والدها وإخوتها، ثم لم يُفرج عنها إلا بموافقة الأب، الذي كان هو نفسه المعتدي.
الناشطة فوزية العتيبي، التي فرت من السعودية عام 2022، أكدت أن هذه الدور تزرع في نفوس النساء “الخزي والشعور بالذنب”، وغالبًا ما يكون الزواج هو الباب الوحيد للخروج، حيث يُسمح لرجال – بعضهم متقدمون في السن أو من ذوي السوابق – بالتقدم للزواج من نزيلات الدار، في صورة من صور الابتزاز الاجتماعي الممنهج.
ما يزيد من فداحة الوضع أن أي محاولة لنشر صور من داخل هذه المؤسسات تُعد محظورة، ما يخلق بيئة مغلقة خالية من الرقابة والمحاسبة، وتحول هذه المراكز إلى مساحات تعذيب نفسي وجسدي مغلقة، تحت غطاء “الإصلاح الديني والأخلاقي”.
السجل الحقوقي تحت ستار “رؤية 2030”
هذه الانتهاكات تأتي في وقت تسعى فيه المملكة لتقديم نفسها للعالم كدولة منفتحة وحديثة، خاصة بعد فوزها باستضافة كأس العالم 2034، وهي الخطوة التي وصفتها منظمات حقوقية بأنها محاولة “تلميع دولي” تغطي على سجل داخلي دامٍ.
وفي هذا السياق، قالت نادين عبد العزيز، مسؤولة الحملات في منظمة القسط لحقوق الإنسان: “لا يمكن الحديث عن تمكين المرأة في ظل استمرار هذا النوع من المؤسسات. يجب إغلاقها فورًا واستبدالها بمراكز دعم حقيقية للضحايا، وليس مراكز لإعادة إخضاعهن وإذلالهن”.
ورغم ادعاءات الحكومة السعودية أن هذه الدور تسمح للنساء بالمغادرة بحرية وأنها ليست مراكز احتجاز، فإن شهادات الضحايا والناشطات ترسم صورة مختلفة تمامًا. وأشار تحقيق الغارديان إلى أن السلطات تدير هذه الدور كأماكن لعزل النساء المعارضات أو الخارجات عن الطاعة، ضمن بنية ذكورية ترسخ السيطرة الاجتماعية باسم “الحماية”.
ويقول ناشطون إن هذه المؤسسات تُدار بطريقة تجعل منها أداة قمع لا تختلف عن السجون السياسية، خاصة أن كثيرًا من النساء لا يُفرج عنهن إلا إذا رضخن لضغوط المؤسسة، أو وافق ولي الأمر على استلامهن، وكأنهن “ملك خاص” لا تملكن الحق في تقرير مصيرهن.
محمد بن سلمان بين الإصلاح المعلن والقمع المستتر
المفارقة الصارخة أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يُسوق نفسه في الإعلام العالمي كرائد في “تحرير المرأة”، بينما في الواقع، تتعرض النساء في بلاده لأبشع أشكال القهر داخل مؤسسات مغلقة لا تختلف عن مراكز الاحتجاز.
منح المرأة حق قيادة السيارة والسفر دون ولي، لم يأتِ ضمن رؤية تحريرية حقيقية، بقدر ما جاء كإجراءات دعائية، في وقت تستمر فيه ممارسات التنكيل والوصاية الذكورية في العمق.
بل إن كثيرًا من الناشطات اللاتي طالبن بهذه الحقوق هن اليوم رهن الاعتقال أو المنفى، مثل لجين الهذلول وسمر بدوي ونسيمة السادة، اللواتي تعرضن للاعتقال والتعذيب بتهم تتعلق بـ”تشويه سمعة الدولة”.
ويُظهر هذا التناقض أن مشروع “الإصلاح” المزعوم لا يتجاوز كونه واجهة علاقات عامة أمام العالم، في وقت يستمر فيه بن سلمان في إحكام قبضته على الداخل عبر أدوات جديدة، من بينها دور الرعاية التي تحولت إلى سجون سرية للنساء “غير المنضبطات”.
خاتمة: ضرورة فضح الصمت والتعتيم
ما يجري في دور الرعاية السعودية ليس شأنًا داخليًا كما تحاول الرياض تصويره، بل جريمة حقوقية مكتملة الأركان. فإجبار النساء على العيش في ظروف قهرية، تحت رحمة سلطة ذكورية لا يمكن الطعن بها، هو انتهاك صارخ لأبسط الحقوق الإنسانية.
ومع تصاعد الحملة الإعلامية السعودية لترويج “السعودية الجديدة”، من الضروري أن تستمر الأصوات الحقوقية في فضح هذا التناقض، ودفع المؤسسات الدولية لمحاسبة السعودية على انتهاكاتها المستمرة ضد النساء، بدلًا من الاحتفاء بإصلاحات تجميلية تخفي خلفها سجونًا ومعاناة طويلة في صمت.
اقرأ أيضًا : 4500 يوم في العزل.. الشيخ سمير الهلال رمز حيّ للتعذيب الصامت في سجون السعودية