في تطور لافت يعكس تحولات عميقة في مشهد الصراع اليمني، كشفت مصادر عن وصول قوات سعودية إلى مدينة عتق، عاصمة محافظة شبوة، وتسلمها قاعدة “مرة” العسكرية، ثاني أكبر قاعدة في البلاد بعد قاعدة العند. هذه الخطوة لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق السياسي والعسكري المعقد الذي تعيشه المحافظات الجنوبية، ولا عن الصراع الخفي والمعلن بين القوى الإقليمية المتدخلة في الملف اليمني.

ووفق المصدر، فإن القوة السعودية التي وصلت إلى شبوة هي “مفرزة” محدودة العدد، لكنها تحمل رمزية كبيرة، باعتبارها جاءت لتتولى واحدة من أهم القواعد العسكرية التي كانت سابقًا تحت سيطرة تشكيلات انفصالية مدعومة من دولة الإمارات، في مؤشر واضح على إعادة ترتيب موازين النفوذ في المنطقة.

قاعدة “مرة”.. موقع استراتيجي في قلب الصراع

تُعد قاعدة “مرة” من أبرز المنشآت العسكرية في جنوب اليمن، نظرًا لموقعها غرب مدينة عتق، وقربها من طرق الإمداد الحيوية، فضلًا عن إشرافها غير المباشر على مناطق إنتاج النفط والغاز. وقد مثّلت القاعدة خلال السنوات الماضية نقطة ارتكاز رئيسية للقوات الإماراتية وتشكيلاتها المحلية، قبل أن تغادرها أبوظبي مطلع يناير الماضي.

تسلم القوات السعودية لهذه القاعدة لا يعني مجرد تغيير في التمركز العسكري، بل يعكس محاولة لإعادة ضبط الوضع الأمني في محافظة شهدت خلال الفترة الأخيرة مواجهات دامية بين القوات الحكومية والتشكيلات الانفصالية.

كما يشير هذا التمركز إلى رغبة سعودية واضحة في منع تكرار سيناريو الانفلات الأمني، وإغلاق الطريق أمام أي محاولات لإعادة السيطرة عليها من قبل المليشيات المدعومة إماراتيًا.

شبوة.. قلب الثروة وهدف النفوذ الإقليمي

تحتل محافظة شبوة مكانة محورية في الخارطة الاقتصادية والجغرافية لليمن، فهي ثالث أكبر محافظة من حيث المساحة، وإحدى أهم مناطق إنتاج النفط والغاز، إضافة إلى امتلاكها موانئ استراتيجية تطل على بحر العرب والمحيط الهندي.

هذا الموقع جعلها هدفًا دائمًا للقوى الإقليمية الساعية للهيمنة على مصادر الطاقة وخطوط الملاحة الدولية. ولم يكن الصراع فيها مجرد خلاف محلي، بل انعكاسًا لمنافسة أوسع بين الرياض وأبوظبي حول إدارة الجنوب اليمني ومستقبله السياسي.

وقد أدركت السعودية أن ترك شبوة تحت سيطرة المليشيات الانفصالية يعني تهديدًا مباشرًا لوحدة اليمن، ولأمنها القومي، ولمصالحها الاقتصادية في المنطقة.

مليشيات الإمارات والانفصال.. مشروع تفتيت ممنهج

على مدى سنوات، عملت دولة الإمارات على إنشاء وتدريب وتسليح تشكيلات مسلحة خارج إطار الدولة اليمنية، أبرزها قوات المجلس الانتقالي الجنوبي، التي رفعت شعار الانفصال، وسعت إلى فرض أمر واقع بالقوة.

هذه المليشيات لم تكتفِ بالسيطرة على المدن والمعسكرات، بل دخلت في مواجهات مباشرة مع القوات الحكومية، وعرقلت مؤسسات الدولة، وعمّقت الانقسام المجتمعي، في محاولة واضحة لتمزيق اليمن وتحويله إلى كيانات متناحرة تخدم الأجندة الإقليمية لأبوظبي.

في شبوة، تجلّى هذا المشروع بشكل واضح، حيث حاولت التشكيلات الانفصالية السيطرة على المجمع الحكومي في عتق، وفرض نفوذها بالقوة، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى، ودخول المحافظة في دوامة من العنف والفوضى.

وقد أثبتت التجربة أن هذه المليشيات لا تحمل مشروع دولة، بل مشروع سلطة ضيقة، قائم على السلاح والولاءات الخارجية.

السعودية وإعادة الانتشار.. تصحيح المسار أم إدارة أزمة؟

يأتي التحرك السعودي في شبوة ضمن خطة أوسع لإعادة نشر القوات الحكومية، وترتيب الوضع العسكري في المحافظات الجنوبية، بعد سنوات من التشتت والتضارب في مراكز القرار.

وتسعى الرياض، من خلال هذه الخطوة، إلى استعادة زمام المبادرة، وتقليص نفوذ الإمارات وحلفائها، وإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة الشرعية، ولو بشكل تدريجي.

غير أن هذا التحرك يواجه تحديات كبيرة، أبرزها هشاشة الوضع الأمني، ووجود شبكات نفوذ محلية مرتبطة بالمليشيات، إضافة إلى التعقيدات السياسية داخل معسكر “الشرعية” نفسه.

ويبقى السؤال المطروح: هل تمثل هذه الخطوة بداية مسار جاد لاستعادة الدولة، أم أنها مجرد محاولة مؤقتة لإدارة الأزمة ومنع انفجارها؟

مستقبل الجنوب بين الدولة والتفكيك

إن تسلم القوات السعودية قاعدة “مرة” يعكس لحظة مفصلية في مسار الصراع الجنوبي، وقد يشكل فرصة لإعادة بناء منظومة أمنية وطنية، إذا ما رافقته إصلاحات سياسية حقيقية، ودعم فعلي لمؤسسات الدولة.

لكن في المقابل، فإن استمرار تغذية المليشيات الانفصالية، وغضّ الطرف عن مشاريع التفتيت، سيعيد إنتاج الفوضى، ويهدد بتحويل الجنوب إلى ساحة صراع دائم بين الوكلاء.

اليمن اليوم يقف أمام مفترق طرق: إما دولة موحدة تستعيد قرارها السيادي، أو كيان ممزق تتحكم فيه المليشيات وأجندات الخارج. وفي هذا السياق، تمثل شبوة اختبارًا حقيقيًا لمدى جدية القوى الإقليمية في دعم الاستقرار، بدل الاستثمار في الانقسام.

اقرأ أيضًا : الخطر يحيط بالمرضى في غزة مع تعنت الاحتلال وتهديد توقف مستشفى شهداء الأقصى عن العمل