تصاعدت التقارير خلال الأسابيع الماضية، لتظهر أن السعودية لعبت دورًا مباشرًا وسريًا في مساعدة إسرائيل على اعتراض الطائرات المسيّرة الإيرانية خلال “حرب الأيام الـ12″، رغم مواقفها الرسمية الرافضة للهجوم الإسرائيلي على إيران. إن تسريب هذه المعلومات يضيف عمقًا جديدًا لمسلسل التطبيع الأمني والسياسي بين الرياض وتل أبيب، ويكشف الوجهين المختلفين للقرار السعودي—واحد علني، وآخر عملي خفي.
طائرات مروحية سعودية تقف في الصف الإسرائيلي
كشفت صحيفة إسرائيل هيوم عن أن القوات الجوية السعودية قامت بنشر طائرات مروحية لاعتراض وتدمير طائرات مسيرة إيرانية كانت تمر في الأجواء فوق العراق والأردن قبل وصولها إلى إسرائيل * *. الملكية الرسمية للأمر غائبة، لكن الهدف الرسمي المعلن هو “حماية المجال الجوي السعودي”، بينما الهدف الفعلي كان منع ضربات محتملة لإسرائيل.
المثير للإعجاب أن الرياض لم تصدر أي بيان يوضح دورها أو يعترف بمشاركة مباشرة، في خطوة تضيف غموضًا متعمدًا يُخفي الواقع الأعمق. فقط الأردن خرج واعترف علنًا بمهمته، معبرًا عن كونه “يدافع عن النفس” بعدما تسببت الطائرات المسيّرة داخل أجوائه في أضرار. أما السعودية، فقد اكتفت فقط ببيانات مواقف عامة، مثل وصفها لإيران بأنها “دولة شقيقة”: * *.
تواطؤ رسمي: ازدياد التطبيع الخفي
التحالف السعودي–الإسرائيلي وتعاونه لم يقتصر على المهمات الجوية فقط. إذ ظهرت مزاعم بأن السعودية زودت إسرائيل ببيانات رادارية وأمنية مهمة عن حركة الطائرات المسيرة، وسلّمت المجال الجوي شمال المملكة للطائرات الإسرائيلية، وهو ما تنكره رسميًا لكن مصادر وكالة DW نقلت تصريحًا وصفته بأنه “تعاون أمني استخباراتي مباشر” .
ستيفان لوكاس، مؤسس “عقول الشرق الأوسط”، وصف الاتجاه بأنه مختلف عن التصريحات الرسمية، لكنه يعكس “مشاركة فعلية من الرياض في التحرك ضد إيران”، مع ملاحظة توفر “بيانات الرادار، وتجاهل عن التسلل الإسرائيلي” داخل المجال الجوي السعودي، لاسيما شمال المملكة .
تناقض موقفي… دعم سري وتصريحات علنية
السعودية صاغت موقفًا بغموض عالي: على المنابر الدبلوماسية، أدانت الضربة الإسرائيلية ووصفت إيران بأنها شقيقة ضمن مجموعة دول إسلامية بنبرة مؤيدة . لكن التصرفات على الأرض رسمت واقعًا مغايرًا تمامًا. تنسيق لوجستي وأمني مع إسرائيل لضرب مسيرات إيرانية، يُظهر أن الرياض تتبع حسابات بعيدة عن العواطف القومية أو المواقف التقليدية.
علاقات أمنية تُدار بخفاء
السعودية لم تختر “الحياد” فقط، بل أصبحت بجانب إسرائيل في محور تطوير الدفاع الإقليمي. فضلاً عن التعاون في المجال الجوي، فقد نشرت مؤخرًا منظومة الدفاع الصاروخي THAAD الأمريكية داخل أراضيها، في تأكيد صارخ لعلاقات أمنية واستراتيجية متعمقة مع واشنطن (والتي تساند إسرائيل في تلك الخطوة أيضًا).
هذا التوجه لا يقتصر على تجهيزات وأسلحة، بل يتجاوز إلى تقاسم الاستخبارات الرادارية المتقدمة، ونظام إنذار مشترك، ما يجعل التباين بين الخطاب والممارسة أكثر وضوحًا.
التطبيع العسكري… اختبار ردود الداخل والخارج
التعاون السري بين السعودية وإسرائيل يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية:
1. الشرعية السياسية: كيف تُبرر القيادة السعودية هذا السلوك أمام شعب لا يزال موضوع فلسطين حاميًا لأحلامه؟
2. الأمن القومي مقابل الأمة: هل قررت السعودية وضع أمنها فوق أي اعتبارات أخرى وعلى حساب القيم العربية والإسلامية التي كانت تصدّرها رسميًا؟
3. هل بات هناك محور سري يتجاوز الاتفاقيات الرسمية؟ يبدو أن السعودية وإسرائيل تتقاطع مصالحهما في “مواجهة إيران”، تحت سقف أمني بعيد عن أعين الشعوب.
السعودية تبرر بـ”الأمن… وتكذب بالموقف العام”
دعوات المملكة الرسمية إلى ضبط النفس، وتأكيدها على سيادة المجال الجوي ضد أي اعتداء، تتناقض بشكل صارخ مع ما قامت به فعليًا. البيانات الأمنية التي قدمتها لإسرائيل تمثل نقلة نوعية في العلاقات الخفية، تكشف أنها ليست مجرد “مشاريع سلام” أو تطبيع اقتصادي، بل تحالف تكتيكي ضد إيران مدعوم إمبراطوريًا.
ثمّة ما هو أكبر من التصريحات
إذا ما فكّرنا، نجد أن:
- الصمت السعودي على التعاون السري يعكس إدراكًا لحساسية الشارع.
- استمرار تبادل الأسلحة والرصد الاستخباراتي يعكس توثيقًا تدريجيًا للعلاقة.
- الإدراك الإسرائيلي–الأميركي لا يستبعد أن تُعلن العلاقات الرسمية في مرحلة لاحقة—لكنها بدأت من بابه الخلفي.
تطبيع غير معلن… بأسلحة ومعلومات
الوثائق التي كشفتها الصحافة الإسرائيلية والغربية تفضح ازدواجية السياسات السعودية: دعم علني لإدانة الهجوم على إيران، وتعاون فعلي لتسهيل اعتراض الطائرات الإيرانية على مدى أكثر من أسبوع.
السعودية والعلاقات حقائق تكتب بعيدًا عن الإعلام. ومع دخول “أسلحة الدفاع الجوي” الساحة، فإنها تعمّق تحالفها مع تل أبيب، وليست مجرد شريك استراتيجي، بل جزء من تحالف أمني، يهدف إلى إضعاف إيران على أمن المملكة قبل المصلحة العربية.
هذا التحالف السري يرسم مستقبلًا جديدًا للخريطة السياسية في الشرق الأوسط، بعلاقات يُعلن عنها حرفيًا في صفقات الأسلحة، ثم يُرغم على التستر عنها بمجرد النظر لوصول الأمر إلى الدعاية الرسمية. والتساؤل الحقيقي: متى ستعلن الرياض، ومتى سيرفض فيها الشارع هذا الازدواج؟ وهل بقي فيها من صوت عام يستطيع منع التنازل عن السعودية لصالح تحالفات لا تُعلن؟