في تصعيد سياسي وإعلامي غير مسبوق داخل معسكر التحالف نفسه، بدا أن السعودية قررت هذه المرة كسر الصمت، وتوجيه رسائل مباشرة إلى الإمارات، ليس فقط على خلفية الملف اليمني، بل عبر التذكير العلني بدورها في ثلاث ساحات صراع إقليمية أخرى، في خطوة كشفت حجم التصدع داخل تحالف طالما قدّم نفسه باعتباره “تحالف استقرار”.

الشرارة جاءت عبر بيان صادر عن تحالف “دعم الشرعية في اليمن” الذي تقوده الرياض، كشف فيه تفاصيل ما وصفه بـ“هروب” رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي إلى الإمارات، مرورًا بأرض الصومال، وبـتنسيق كامل مع قيادات عسكرية إماراتية. لكن ما وراء البيان كان أخطر بكثير من مجرد تتبع مسار هروب شخصية انفصالية.

ما بعد الهروب.. رسائل أبعد من اليمن

اللافت في البيان السعودي أنه خرج عن السياق اليمني المباشر، ليشير صراحة إلى أن الطائرة التي أقلّت الزبيدي تُستخدم “بشكل متكرر” في ليبيا وإثيوبيا والصومال. هذه الإشارة لم تكن تقنية أو عرضية، بل بدت محاولة متعمدة لوضع الإمارات في قفص الاتهام الإقليمي، وربط تحركاتها في اليمن بشبكة أوسع من التدخلات والعبث بالأزمات.

كما كشف البيان أن الطائرة تحمل علم جزيرة سانت كيتس ونيفيس، وهو العلم ذاته الذي كان مرفوعًا على سفينة نقلت عربات قتال وأسلحة إلى ميناء المكلا قادمة من ميناء الفجيرة، في تلميح مباشر إلى أساليب التمويه التي تعتمدها أبوظبي في دعم المليشيات والكيانات المسلحة خارج الأطر القانونية.

ثلاث ساحات.. مشروع واحد

في ليبيا، لا تخفي الإمارات دعمها لقوات اللواء خليفة حفتر، في تحدٍ سافر لمسارات الحل السياسي، وساهم ذلك في إطالة أمد الحرب وتعميق الانقسام.

وفي الصومال، لعبت أبوظبي دورًا محوريًا في دعم مشروع انفصال “أرض الصومال”، عبر السيطرة على الموانئ وتسليح قوى محلية، في مسار بلغ ذروته مع الاعتراف الإسرائيلي بالإقليم، ما فتح الباب أمام تهديد وحدة دولة هشة أصلًا.

أما في إثيوبيا، فبرز الدور الإماراتي كفاعل خلف الكواليس في صراعات داخلية معقدة، تحت شعارات “الاستقرار” و“مكافحة الإرهاب”، بينما الواقع يشير إلى إدارة مصالح ونفوذ.

ولا يمكن فصل ذلك عن الدور الإماراتي في السودان، حيث دعمت أبوظبي ميليشيا الدعم السريع، ما ساهم في إشعال حرب مدمرة وخلق واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في المنطقة.

الإعلام السعودي يدخل المعركة

بالتوازي مع البيان، شهد الخطاب الإعلامي السعودي تحوّلًا ملحوظًا. قناة “الإخبارية” الرسمية بثّت تقارير تتهم الإمارات صراحة بدعم الانفصال في اليمن وتمويل ميليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي بالمال والسلاح. كما خرج كتاب وإعلاميون سعوديون عن تحفظهم المعتاد، متحدثين عن “مشروع تفكيك” تقوده أبوظبي عبر رعاية الكيانات المسلحة والانفصالية في المنطقة.

هذا التحول عكس غضبًا سعوديًا متراكمًا، لكنه في الوقت نفسه كشف حجم التناقض داخل التحالف الذي قاد الحرب على اليمن تحت شعار “إعادة الشرعية”.

صراع قوى الشر.. واليمن الضحية

في جوهر المشهد، لا يبدو الخلاف السعودي–الإماراتي صراعًا أخلاقيًا أو مراجعة للسياسات، بل صراع نفوذ بين قوتين إقليميتين استخدمتا اليمن ساحة تصفية حسابات. فالمجلس الانتقالي الجنوبي لم يكن يومًا مشروعًا وطنيًا، بل ميليشيا انفصالية صُنعت خارج الدولة، وجرى توظيفها لفرض وقائع بالقوة.

وفي المقابل، لا تستطيع السعودية التنصل من مسؤوليتها. فسنوات الحرب، والحصار، وإدارة الملف اليمني بعقلية أمنية، هي التي فتحت الباب أصلًا أمام تمدد الإمارات ومليشياتها. واليوم، حين يتفجر الخلاف، يدفع اليمنيون وحدهم الثمن.

إلى أين يتجه الصراع؟

ما كشفه البيان السعودي ليس نهاية الخلاف، بل بدايته العلنية. ففتح ملفات ليبيا والصومال وإثيوبيا يعني أن الصراع خرج من الغرف المغلقة إلى العلن. لكن السؤال الأهم: هل نشهد تفككًا حقيقيًا في معسكر التحالف، أم مجرد إعادة توزيع أدوار؟

في كل الأحوال، يبقى الثابت أن المنطقة غارقة في صراع قوى شر، تتصارع على النفوذ والخرائط، بينما تُترك الشعوب — من اليمن إلى السودان وليبيا — تحت الركام، بلا عدالة ولا سيادة ولا سلام.

اقرأ أيضًا : هروب “الزبيدي” زعيم الميليشيا الانفصالية المدعومة إماراتيًا عبر أرض الصومال إلى أبو ظبي