كشفت مصادر يمنية مطلعة عن قيام المملكة العربية السعودية بتشكيل قوات عسكرية جديدة في محافظة شبوة جنوب شرق اليمن، في خطوة قد تعيد رسم موازين القوى بين الحلفاء الإقليميين المتصارعين على الأرض اليمنية. ووفق المصدرين اللذين فضّلا عدم الكشف عن هويتهما، فإن التشكيل الجديد يتكون من ثلاثة ألوية قتالية تحت اسم “قوات الطوارئ”، بقيادة العميد عبد ربه لعكب، أحد أبرز القادة العسكريين المناوئين للنفوذ الإماراتي في الجنوب.
التحرك السعودي يأتي بعد سنوات من التهميش الميداني لحلفائها داخل الشرعية اليمنية، وتزايد نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات، الذي فرض سيطرته العسكرية والسياسية على مناطق استراتيجية عدة في الجنوب، بينها العاصمة المؤقتة عدن، وأجزاء واسعة من محافظات شبوة وحضرموت وسقطرى. اختيار شبوة كمنطلق للتشكيل الجديد يعكس رغبة سعودية في استعادة موطئ قدم ميداني داخل واحدة من أغنى المحافظات اليمنية نفطياً وأكثرها حساسية سياسياً.
العميد لعكب، الذي ظهر لأول مرة منذ إقالته قبل ثلاث سنوات، بدا في لقطات مصورة داخل معسكر “عارين” شرق مدينة عتق وهو يستعرض سرايا من الجنود، وسط تأكيدات بأنه بدأ فعلياً تسليح وتدريب هذه القوات تحت إشراف سعودي مباشر. ووفق المصادر، فإن الرياض لا تكتفي بهذا التشكيل فقط، بل تعمل حالياً على إعداد ألوية أخرى سيتم الإعلان عنها لاحقاً.

هل تتجه الرياض لمواجهة ناعمة مع أبوظبي في اليمن؟
التحرك السعودي الجديد لا يمكن فصله عن التوتر المكتوم بينها وبين الإمارات داخل اليمن، رغم أنهما عضوان في التحالف العسكري الذي تدخل في البلاد عام 2015 بذريعة دعم الشرعية ضد الحوثيين. غير أن السنوات الماضية أظهرت أن كلاً من الرياض وأبوظبي تسلكان أجندتين مختلفتين بل ومتصارعتين أحياناً.
الإمارات ركزت على دعم المكونات الانفصالية في الجنوب مثل المجلس الانتقالي، وأسست لها أذرعاً عسكرية متعددة أبرزها “النخبة الشبوانية” و”الأحزمة الأمنية”، وسيطرت عملياً على موانئ وجزر ومطارات حيوية. في شبوة وحدها، تهيمن الإمارات على منشأة بلحاف لتصدير الغاز، وميناء النشيمة النفطي، ومطار عتق، بالإضافة إلى الشريط الساحلي بين شبوة وحضرموت. هذا النفوذ الكبير جعل من الإمارات لاعباً مستقلاً وفاعلاً يتخطى حدود الشراكة المفترضة مع السعودية.
في المقابل، بدا أن الرياض فقدت تدريجياً السيطرة على مسار الأحداث جنوب اليمن، خاصة بعد الاتفاقات الموقعة مع الانتقالي والتي لم تُنفذ بشكل كامل، مثل “اتفاق الرياض”. لذلك، فإن تشكيل قوات الطوارئ بقيادة شخصية معروفة بعدائها العلني للإمارات، يعكس محاولة سعودية لاستعادة التوازن الميداني، وتحجيم النفوذ الإماراتي المتفرد في هذه المناطق.
اللافت أن العميد لعكب، الذي يعد من أبرز خصوم أبوظبي في اليمن، خاض معارك شرسة مع القوات المدعومة إماراتياً في شبوة خلال الفترة بين 2019 و2022. وقد وصفته بعض التقارير الدولية بأنه “أصغر ضابط ألحق هزائم بالإمارات” في اليمن، ما يجعل ظهوره من جديد – وبدعم سعودي – بمثابة رسالة واضحة بأن مرحلة جديدة من الصراع الناعم بين الرياض وأبوظبي قد بدأت.
تدمير ممنهج وتوظيف للنزاعات
ما يجري في اليمن من تشكيلات عسكرية موازية، وتحركات منفردة من قِبل قوى التحالف، يعكس حجم الدمار السياسي والعسكري الذي تسببت به الحرب المستمرة منذ أكثر من 9 سنوات. فالتحالف الذي دخل اليمن لإنقاذ “الشرعية”، ساهم عملياً في تقويضها وتفكيك مؤسساتها، وتحويل البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات بين الحلفاء أكثر من كونها حرباً ضد الحوثيين.
السعودية، التي كانت تقود العمليات العسكرية ضد الحوثيين، باتت اليوم عاجزة عن فرض إرادتها في المناطق “المحررة”، بينما الإمارات تمضي قدماً في تنفيذ أجندتها الاقتصادية والعسكرية على حساب سيادة الدولة اليمنية. السيطرة على الموانئ والمطارات، وإقصاء المسؤولين الموالين للرياض، واحتكار الثروات المحلية، كل ذلك تم تحت غطاء “التحالف العربي” الذي تحوّل إلى مظلة لإعادة تقاسم اليمن بدل إنقاذه.
في ظل هذا المشهد، فإن تشكيل السعودية لقوات جديدة في شبوة قد يكون مجرد محاولة يائسة للعودة إلى الساحة، لكنه أيضاً قد يفتح الباب أمام جولة جديدة من الصراع الداخلي بين القوات الموالية للحليفين الخليجيين، ما يهدد بانفجار الوضع في الجنوب من جديد، خاصة في ظل رفض المجلس الانتقالي لأي وجود عسكري لا يخضع لسلطته.
والأخطر من ذلك أن هذه التحركات تتم بعيداً عن أي سلطة مركزية شرعية، وفي ظل غياب مؤسسات الدولة، ما يجعل منها مجرد أدوات لخدمة المصالح الإقليمية لا أكثر. فالمواطن اليمني الذي يعيش تحت نيران الحرب والحصار والانهيار الاقتصادي لا يهمه اسم القائد أو الجهة الداعمة، بقدر ما يبحث عن لقمة العيش والأمن والاستقرار، وهي أشياء باتت أبعد ما تكون عن متناول يده بفعل هذه التدخلات المدمرة.
خاتمة
عودة العميد عبد ربه لعكب بدعم سعودي تعيد رسم خطوط الصراع في جنوب اليمن، وتكشف عن صراع النفوذ الصامت بين الرياض وأبوظبي الذي يدفع اليمنيون ثمنه. وبينما تتشكّل الألوية وتُبنى المعسكرات وتُعاد الحسابات الجيوسياسية، يبقى الشعب اليمني الخاسر الأكبر في حربٍ باتت أدواتها متعددة وغاياتها غامضة، فيما تغيب فيها تمامًا أي ملامح لحل سياسي شامل يعيد لليمن سيادته ومؤسساته وكرامة شعبه.
اقرأ أيضًا : الإمارات تشعل الحرب والجوع يحاصر 4 ملايين لاجئ سوداني في دول الجوار