انفجارات ضخمة وحرائق تهزّ مدينة بورتسودان، وسط تصاعد الهجمات الجوية على المطار والميناء الاستراتيجي، فيما تتجه أصابع الاتهام نحو “الدعم السريع” المدعومة من أبوظبي، في تصعيد قد يغيّر قواعد الاشتباك في الحرب السودانية المستمرة منذ أكثر من عام.

مدينة “الملاذ” تحترق.. بورتسودان لم تعد آمنة
شهدت مدينة بورتسودان شرقي السودان، فجر الثلاثاء، سلسلة من الانفجارات العنيفة والحرائق الواسعة التي اندلعت في مواقع حيوية، أبرزها مطار بورتسودان الدولي ومحيط الميناء الجنوبي، وهما المنشأتان الأكثر أهمية في المدينة التي ظلت تُعرف بـ”الملاذ الآمن” منذ بداية الحرب في أبريل 2023.
بحسب شهود عيان ومراسلين على الأرض، سُمع دوي انفجارات هائلة أعقبتها أعمدة دخان كثيف غطّت سماء المدينة الساحلية المطلة على البحر الأحمر.
تزامن هذا الحدث مع إعلان وزارة الطاقة والنفط السودانية، قبل ساعات فقط، عن احتراق مستودعات النفط الاستراتيجية في بورتسودان نتيجة استهدافها بطائرة مسيرة، اتُهمت قوات “الدعم السريع” بإطلاقها.
https://x.com/i/status/1919811666608337283
المدينة، التي لجأ إليها مئات الآلاف من النازحين منذ اندلاع الحرب، لم تشهد هجمات جوية أو برية بهذا المستوى من قبل. ولكن ما حدث هذا الأسبوع، وفق محللين، يشكل نقطة تحوّل خطيرة في موازين الحرب، إذ باتت بورتسودان — العاصمة المؤقتة للحكومة — هدفًا مباشرًا في الصراع المستعر.
وفي تصريح حاد، أكد وزير الثقافة والإعلام السوداني والناطق الرسمي باسم الحكومة، خالد الإعيسر، بعد زيارته الميدانية لموقع القصف في مستودعات الوقود بالميناء الجنوبي في بورتسودان، أن الهجوم الذي وقع صباح الثلاثاء تم بطائرات مسيّرة وفّرتها دولة الإمارات لميليشيا الدعم السريع، واصفًا العملية بأنها “جريمة إرهابية موثّقة ومحرّمة دوليًا”.
وأضاف الإعيسر أن “قوات الدفاع المدني والأجهزة الأمنية تؤدي واجبها بمهنية وكفاءة”، مشددًا على أن “إرادة الشعب السوداني ستظل عصيّة على الانكسار، ولن تُرهب بمثل هذه الأفعال التي تمثّل امتدادًا لعدوان خارجي سافر تمارسه الإمارات عبر وكلائها المسلحين”.
وأكد الوزير أن ما حدث هو دليل إضافي على أن الإمارات لم تعد مجرد داعم سياسي، بل باتت شريكًا مباشرًا في الاعتداء على سيادة السودان وسلامة شعبه.
قوات “الدعم السريع”.. هجمات نوعية بطائرات إماراتية الصنع؟
مصادر عسكرية سودانية وجّهت أصابع الاتهام مجددًا إلى قوات “الدعم السريع”، التي يقودها محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وقالت إن الطائرات المسيرة التي استهدفت بورتسودان تُشبه في تصميمها وتكنولوجيتها الطائرات التي حصلت عليها “الدعم السريع” بدعم من دولة الإمارات.
يُشار إلى أن تقارير متعددة، من بينها تقارير أممية وأخرى استخباراتية غربية، كانت قد أكدت أن الإمارات وفرت دعما عسكريا ولوجستيا مباشرا لقوات “الدعم السريع” منذ اندلاع النزاع، بما يشمل تزويدها بطائرات مسيّرة وأنظمة اتصال حديثة، وفتح ممرات تسليح من ليبيا وتشاد نحو دارفور.
وتزامنت الهجمات الأخيرة على بورتسودان مع إعلان الجيش السوداني قبل أيام عن تدميره لطائرات مسيّرة ومستودعات أسلحة تابعة للدعم السريع في مطار نيالا، الأمر الذي قد يكون دفع هذه القوات إلى الرد بعمليات هجومية ضد منشآت استراتيجية في قلب الأراضي التي تسيطر عليها الحكومة.
ورغم أن قوات الدعم السريع لم تعلن مسؤوليتها رسميًا عن الهجمات، فإن نهجها الهجومي خلال الشهور الماضية يشير إلى تطور تكتيكي في مسار المعركة، إذ باتت تعتمد بشكل متزايد على العمليات الجوية المحدودة والدقيقة، بعد أن فقدت السيطرة على العديد من المدن في وسط السودان أمام تقدم القوات النظامية.
التصعيد في الشرق.. هل اقتربت الحرب من خطوط الملاحة العالمية؟
ما يُقلق أكثر في التصعيد الأخير هو أن مدينة بورتسودان لا تُمثل فقط مركزًا لسلطة الحكومة المؤقتة، بل هي بوابة السودان إلى البحر الأحمر، وموقع حيوي في خريطة الملاحة البحرية العالمية، وبخاصة مع قربها من الممر البحري الدولي.
استهداف مطار المدينة والميناء البحري ومستودعات الذخيرة والأسلحة فيها، يُنذر بإدخال أطراف إقليمية ودولية في عمق الصراع السوداني، خاصة مع تصاعد التحذيرات من خطر “حرب ممرات” قد تطال الأمن الملاحي للبحر الأحمر، وهو ما سبق وأثارته الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في تقارير سابقة.
وتأتي هذه الهجمات بعد أسبوع من تحذير الأمم المتحدة من كارثة إنسانية متفاقمة في السودان، حيث ارتفع عدد النازحين داخليًا إلى أكثر من 12 مليون شخص، فيما يعاني نصف السكان تقريبًا من انعدام الأمن الغذائي.
وفي هذا السياق، أدانت كل من السعودية ومصر بشدة استهداف بورتسودان بطائرات مسيرة، معتبرتين أن توسيع نطاق الهجمات ليشمل مناطق كانت آمنة نسبيًا “يشكل تهديدًا مباشرًا لوحدة السودان وسلامة أراضيه”. كما أعربت الأمم المتحدة عن “قلق بالغ” من تصعيد الهجمات على المنشآت المدنية.
الحرب تدخل مرحلة جديدة.. والدور الإماراتي في دائرة الاتهام
يشير مراقبون إلى أن الحرب في السودان تدخل الآن مرحلة “الهجمات المتبادلة على العمق”، وهو ما من شأنه أن يُفجر الأوضاع بشكل غير مسبوق، ويزيد من صعوبة التوصل إلى تسوية سياسية.
وبينما يواصل الجيش السوداني حملاته الجوية في دارفور، حيث تتمركز “الدعم السريع”، لجأت الأخيرة إلى تنفيذ ضربات بطائرات مسيرة على منشآت البنية التحتية — من الكهرباء والمياه إلى المطارات والموانئ.
ومع انكشاف تورط الإمارات في تزويد حميدتي بمثل هذه القدرات، تعلو الأصوات الدولية بضرورة التحقيق في هذا الدور، خاصة بعد تواتر شهادات من مراكز أبحاث دولية تؤكد تورط أبوظبي في تأجيج الصراع، خدمة لمصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في موانئ السودان وسواحله.
في المحصلة، ما حدث في بورتسودان ليس مجرد هجوم عسكري عابر، بل هو بمثابة إعلان عن انتقال الحرب إلى قلب الشرق الاستراتيجي للسودان، مدفوعة بدعم خارجي يهدف إلى تغيير قواعد اللعبة.
فهل يتحرك المجتمع الدولي لوقف هذه المغامرة الإماراتية؟ أم أن بورتسودان ستكون بداية حرب جديدة على ضفاف البحر الأحمر؟
اقرأ أيضًا : بعد هجوم من ميليشا الإمارات.. استئناف الملاحة في مطار بورتسودان بعد هجوم مسير