خلال جولة تفقدية في الأكاديمية العسكرية بالعاصمة الإدارية، خرج عبد الفتاح السيسي بتصريحات جديدة حول موقف مصر من إدخال المساعدات إلى غزة، ليؤكد بوضوح أن القاهرة “لن تراهن بحياة المصريين” عبر الدخول في مواجهة عسكرية مع الاحتلال الإسرائيلي.
الخطاب الذي جاء في وقت تتزايد فيه الضغوط الإنسانية على سكان القطاع، لم يُقرأ داخليًا وخارجيًا إلا باعتباره إعلانًا رسميًا لعجز النظام المصري عن اتخاذ أي خطوة سيادية مستقلة، وارتهانه الكامل لشروط الاحتلال الإسرائيلي.

تبرير الخضوع تحت شعار حماية المصريين
في خطابه، ربط السيسي مسألة إدخال المساعدات بالقوة بقرار الحرب، متسائلًا: “هل مطلوب من مصر الدخول في حرب نتيجة التطورات التي حدثت في القطاع؟”.
هذه الصياغة حاولت تصوير المطلب الإنساني البسيط – وهو السماح بمرور الغذاء والدواء – كأنه مغامرة وجودية تهدد المصريين. لكن القراءة النقدية تكشف أن الأمر ليس سوى محاولة للتغطية على الرفض الإسرائيلي المستمر، وإلقاء عبء الحصار على جهة أخرى.
فالحديث عن “سلامة المصريين” لا ينفي أن الشعب الفلسطيني يُذبح على حدود مصر، فيما النظام يلتزم الصمت أو يكتفي بالتنسيق مع الاحتلال.
معبر رفح.. السيادة المفقودة
أقر السيسي في حديثه أن معبر رفح لا يمكن تشغيله إلا بموافقة الاحتلال، مستشهدًا باتفاقية 2005 التي وضعت رقابة أوروبية على المعبر ثم انتهت بسيطرة حماس. هذا الاعتراف الصريح يعكس فقدان مصر لسيادتها على حدودها مع غزة، إذ أن القرار الفعلي بيد تل أبيب، بينما تكتفي القاهرة بدور الوسيط.
الأكثر خطورة أن السيسي تحدث عن ترميم المعبر “أربع مرات بعد تدميره من الجانب الإسرائيلي”، ما يثبت أن الاحتلال يعامل الحدود المصرية كمنطقة نفوذ عسكرية دون أي رد يليق بمكانة مصر الإقليمية.
الهجوم على المنتقدين.. قلب للحقائق
لم يكتف السيسي بتبرير العجز، بل اتهم الأصوات التي تنتقد الموقف المصري بأنها تسعى إلى “تشويه الرواية الصحيحة” واتهام مصر بحصار غزة. لكن الوقائع واضحة: مصر تغلق معبر رفح معظم الوقت، وتسمح بمرور المساعدات وفق هوى الاحتلال، بل وتضع شروطًا معقدة أمام مرور الأفراد.
هذا الواقع هو ما يغذي اتهام القاهرة بالتواطؤ، خاصة أن الخطاب الرسمي المصري يكرر دومًا الحديث عن “الشرعية الدولية” و”التنسيق الأمني” دون أي خطوة فعلية لحماية الفلسطينيين.
استدعاء الاقتصاد لتبرير الموقف
في سياق حديثه، أشار السيسي إلى أن حرب غزة تسببت في خسائر لقناة السويس تقدر بـ9 مليارات دولار.
هذا الربط بين الأزمة الإنسانية في غزة وخسائر مصر المالية جاء كأداة لتخويف الداخل المصري من أي انخراط أكبر في الملف الفلسطيني. لكن هذا التوظيف السياسي للاقتصاد يعكس ضيق أفق استراتيجي، إذ أن مكانة مصر التاريخية في القضية الفلسطينية لا يمكن اختزالها في خسائر عابرة أو أرقام مالية.
تمجيد ترامب وتجاهل المقاومة
من المثير أن السيسي خصص جزءًا من خطابه للإشادة بدور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في “جهود وقف الحرب”، متجاهلًا تمامًا صمود المقاومة الفلسطينية أو التضحيات اليومية لأهل غزة.
هذه الإشادة لا يمكن فصلها عن رهان النظام المصري الدائم على واشنطن كضامن لبقائه السياسي والاقتصادي، وهو ما يعكس انحيازًا واضحًا للراعي الأمريكي على حساب القيم القومية والمصالح العربية.
محاولة تجميل الصورة داخليًا
اختتم السيسي خطابه بالحديث عن التعليم والصحة والمشاريع التنموية في الداخل المصري، في محاولة للانتقال من قضية غزة إلى تلميع صورة النظام داخليًا. لكنه عاد ليربط كل ذلك بـ”وعي الشعب المصري وصلابته”، وكأن أي انتقاد للسياسات الخارجية تجاه غزة هو تهديد مباشر للأمن الداخلي.
هذا الخلط المقصود بين القضايا يعكس خوف النظام من تصاعد الغضب الشعبي المتعاطف مع الفلسطينيين، خاصة أن صور المجازر في غزة تلهب الشارع المصري وتعيد إلى الأذهان أسئلة الشرعية والكرامة الوطنية.
خاتمة: خطاب يعكس الضعف والخيانة
في المجمل، يكشف خطاب السيسي عن مزيج من العجز السياسي والتبعية للإرادة الإسرائيلية. فبينما يُذبح الفلسطينيون على أبواب مصر، يتحدث رئيس النظام عن “عدم التورط” و”حماية المصريين”، وكأن الدفاع عن غزة أو فتح معبر رفح هو إعلان حرب على العالم.
الحقيقة أن ما يقدمه السيسي ليس سوى خيانة للموقف التاريخي المصري الذي ارتبط دومًا بالقضية الفلسطينية، وتحويل لمصر من دولة مواجهة إلى دولة حاجز تمنع الغذاء والدواء عن شعب محاصر.
هذا الخطاب لا يعكس قوة الدولة أو حرصها على السلام، بل يكشف هشاشتها وارتهانها، ويفتح الباب واسعًا أمام التساؤل: إلى أي مدى يمكن لنظام عاجز كهذا أن يصون مصالح مصر قبل مصالح فلسطين؟
اقرأ أيضًا : غزة بين التجويع والإبادة: جريمة حرب وامتحان للضمير العالمي