لم يكن مشهد غرق قرى محافظة المنوفية، بعد ارتفاع مفاجئ في منسوب مياه نهر النيل، سوى حلقة جديدة في سلسلة كوارث بدأت منذ اللحظة التي وقّع فيها عبد الفتاح السيسي على اتفاق المبادئ في مارس 2015، مانحًا إثيوبيا الشرعية السياسية لبناء سدّ النهضة، ومجردًا مصر من سلاحها القانوني في الدفاع عن أمنها المائي.

الفيضان الذي اجتاح بعض القرى المصرية هذا العام لم يكن كارثة طبيعية بقدر ما كان نتاجًا مباشرًا لسياسات “العبث المائي” التي تمارسها أديس أبابا، في ظل صمت رسمي مصري لا يعبّر عن حجم الخطر الذي يهدد حياة الملايين.

وفي أحدث بيان لوزارة الموارد المائية والري المصرية، حذّرت القاهرة من “الممارسات المتهورة” التي أقدمت عليها إثيوبيا بإدارة سدها على النيل الأزرق، معتبرة أنها تصرفات أحادية “تفتقر إلى أدنى درجات المسؤولية والشفافية”، وتشكل تهديدًا مباشرًا لدولتي المصبّ، مصر والسودان.

لكن هذا البيان – رغم لهجته التحذيرية – لا يخفي حقيقة أن القاهرة فقدت نفوذها الفعلي على مجرى النهر، بعدما تنازل النظام عن حقوق مصر التاريخية عبر اتفاق المبادئ، الذي حوّل ما كان يعتبر “سدًا غير شرعي” إلى مشروع واقع فرض نفسه على النيل، بينما اكتفت الحكومة بإصدار بيانات متأخرة بعد كل كارثة.

إثيوبيا بين الاستعراض والعبث.. ومصر تدفع الثمن

البيان المصري قدّم سردًا تقنيًا يكشف حجم الخلل في إدارة إثيوبيا للسدّ، إذ أوضح أن المشغّلين الإثيوبيين خالفوا القواعد الفنية المتعارف عليها، فبدلًا من تصريف المياه تدريجيًا منذ يوليو، أقدموا في نهاية أغسطس على تخزين كميات ضخمة، ثم قللوا التصريف إلى 110 ملايين متر مكعب فقط يوم 8 سبتمبر، قبل أن يطلقوا فجأة أكثر من 780 مليون متر مكعب يوم 27 سبتمبر، مما أدى إلى فيضان اصطناعي ضرب السودان ثم وصل أثره إلى الأراضي المصرية.

تقول الوزارة إن هذا التصرف لم يكن اضطراريًا، بل كان “استعراضًا إعلاميًا وسياسيًا” خلال ما سُمّي باحتفال افتتاح السد في 9 سبتمبر، حين سعت الحكومة الإثيوبية إلى تقديم مشهد انتصار وطني، ولو على حساب أمن شعوب النهر.

وبالفعل، تسببت هذه التصريفات المفاجئة في تدمير مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وغرق قرى سودانية، قبل أن تتأثر محافظات مصرية بموجة مياه غير مسبوقة في هذا التوقيت من العام، إذ تحوّل الفيضان الطبيعي الذي تبلغ ذروته عادة في أغسطس إلى “فيضان صناعي مفتعل” في سبتمبر، بحسب وصف البيان المصري.

ورغم أن القاهرة حمّلت أديس أبابا مسؤولية الفيضان، إلا أن كثيرين داخل مصر يرون أن المسؤولية السياسية الكبرى تقع على النظام الذي فرّط في أوراق الضغط، واكتفى بردود دبلوماسية متأخرة.

فبدلًا من مواجهة الانتهاكات الإثيوبية بالقوة القانونية والسياسية، استمر النظام في سياسة المهادنة والتطمين، حتى وصل النيل إلى مرحلة الخطر المزدوج: عطش في سنوات الجفاف، وغرق في مواسم الفيضان.

من العطش إلى الغرق.. ثمن التفريط في النهر

تؤكد وزارة الري في بيانها أن ما حدث هذا العام كشف عن “إدارة غير مسؤولة للسد الإثيوبي”، وأن تصريف ملياري متر مكعب من المياه في فترة وجيزة مثّل خطرًا على السودان ومصر معًا.

لكنّها في الوقت نفسه أقرت بأنها كانت تتوقع هذا السيناريو منذ أسابيع، إذ وجهت في 7 سبتمبر تعليمات إلى المحافظين لتحذير المواطنين المقيمين على أراضي طرح النهر من ارتفاع مناسيب المياه.

ومع ذلك، جاء التحرك متأخرًا، لتتكرر مشاهد غرق القرى، كما حدث في المنوفية والدقهلية، حيث فقد المزارعون محاصيلهم ومنازلهم وسط عجز حكومي واضح عن مواجهة الأزمة.

المفارقة أن النظام الذي وعد المصريين بأن “السد لن يُبنى إلا على جثتي”، بات اليوم يصدر بيانات يحمّل فيها إثيوبيا المسؤولية، بينما يعرف الجميع أن جذور الأزمة سياسية قبل أن تكون فنية.

فمنذ توقيع اتفاق المبادئ، تمكّنت إثيوبيا من إنجاز أكثر من 90% من السد دون أي التزامات قانونية تجاه دول المصبّ، وواصلت عمليات الملء المتتالية رغم الاعتراضات الشكلية من القاهرة، حتى صار النيل رهينة قرار سياسي في أديس أبابا.

ولم يعد غريبًا أن تتحول مياه النهر – التي كانت يومًا رمز الحياة والاستقرار – إلى مصدر للرعب والخطر، بعد أن فقدت مصر السيطرة على مصدرها الوحيد للمياه، وأصبح ملايين المزارعين والصيادين يعيشون تحت رحمة قرارات عشوائية من حكومة إثيوبيا، دون رد فعل حقيقي من النظام المصري.

نظام بلا استراتيجية.. وأمة تدفع الثمن

الكارثة الأخيرة أعادت إلى الواجهة السؤال الأكبر: كيف وصلت مصر – صاحبة أقدم حضارة نهرية في العالم – إلى هذا المأزق المائي؟

الجواب يكمن في غياب الرؤية الاستراتيجية، وتغليب الحسابات السياسية الضيقة على الأمن القومي. فبدلًا من بناء تحالفات أفريقية فاعلة، أو اللجوء إلى التحكيم الدولي منذ البداية، فضّل النظام تقديم التنازلات مقابل وعود غامضة بالتعاون، ليجد نفسه اليوم عاجزًا أمام سدّ بات يتحكم في حياة المصريين.

ويشير مراقبون إلى أن الكارثة المائية ليست سوى نتيجة طبيعية لسياسات أوسع من الإهمال وسوء الإدارة، بدءًا من مشروعات إهدار المياه مثل التوسع العشوائي في المدن الصحراوية، وصولًا إلى إضعاف البحث العلمي في مجالات الري والمناخ.

وفي ظل استمرار النهج الحالي، قد يتحول فيضان هذا العام إلى نذير لما هو أخطر، إذ يحذّر الخبراء من أن أي خلل جديد في تشغيل السد الإثيوبي قد يؤدي إلى كوارث مائية متكررة على مدار الأعوام المقبلة، سواء بالفيضانات أو بنقص الإمدادات.

خاتمة: نهر النيل بين العبث الإثيوبي والصمت المصري

يظهر المشهد الراهن أن مصر أصبحت بين كماشتين: عبث إثيوبي في المنبع وصمت رسمي في المصب.

فبينما تستخدم أديس أبابا مياه النهر أداة للابتزاز والاستعراض، اكتفى النظام المصري بتبادل البيانات، متناسيًا أن حماية النيل ليست مسألة دبلوماسية، بل قضية وجود.

الفيضان الذي أغرق المنوفية قد يكون رسالة أخيرة من النهر نفسه: أن من يفرّط في حقوقه المائية، سيغرق في مياهه قبل أن يعطش من ندرتها.

اقرأ أيضًا : جريمة جديدة.. إسرائيل تحتجز 21 سفينة إغاثة وتتلاعب بمصير 19 أخرى