بقلم / سامي شحاتة
ليس سرًا أن الدوائر الحاكمة في مصر ليست على قلب رجل واحد، رغم كل ما يبذله النظام من محاولات لإظهار التماسك والانضباط. في هذه المرحلة الحرجة، حيث يُطرح ملف تهجير الفلسطينيين من غزة إلى سيناء كحل مطروح على طاولة القوى الكبرى، لم يعد هناك شك في أن خلافًا داخليًا يدور بين قادة الجيش المصري، بين من تبقى منهم من رجال عقلاء، يدركون أن التفريط في الأراضي المصرية لصالح إسرائيل ليس مجرد جريمة وطنية، بل خطوة ستؤدي إلى انهيار الدولة نفسها، وبين السيسي الذي لم يعد يخفى على أحد، لا داخل مصر ولا خارجها، أنه ليس أكثر من ترس صغير في آلة المصلحة الإسرائيلية، يؤدي وظيفته بانتظام كما أداها من سبقه، لكنه أكثر صراحةً وتماهيًا مع مشروع “إسرائيل الكبرى” حتى من بعض قادتها.
هذا الانقسام في مراكز القرار داخل مصر ليس بالأمر الجديد، لكنه بات أكثر وضوحًا الآن. هناك من يدرك أن السماح بتهجير الفلسطينيين إلى سيناء يعني تسليم مفتاح الأمن القومي المصري إلى إسرائيل، وإعطاء الاحتلال فرصة ذهبية لحل “مشكلة غزة” وفق رؤيته، بتحويلها إلى أزمة مصرية داخلية، ومع الوقت، سيجد المصريون أنفسهم أمام واقع لا رجعة فيه: مليونان أو أكثر من اللاجئين الفلسطينيين، مناطق عازلة، احتلال إسرائيلي غير مباشر، وتوسع صهيوني تدريجي في سيناء بحجج أمنية واقتصادية، تمامًا كما حدث في الضفة الغربية منذ عقود. هؤلاء القادة، قلة قليلة بلا شك، لكنهم يعرفون أن المصلحة الحقيقية ليست في تنفيذ أوامر واشنطن وتل أبيب، بل في الحفاظ على السيادة الوطنية وعدم السماح بتحويل سيناء إلى ساحة للمشاريع الاستعمارية الجديدة.
لكن المشكلة أن الطرف الآخر هو من يمتلك النفوذ والقرار، والطرف الآخر هذا، ببساطة، هو السيسي. أي نقاش جاد حول الموقف المصري من التهجير لا يمكن أن يكون جادًا دون الاعتراف بأن السيسي لم يكن يومًا خارجًا عن الخط الإسرائيلي، بل هو جزء أصيل منه، وإن تظاهر بغير ذلك. كل ما يقوله من رفض قاطع لفكرة التهجير، وكل ما تروّجه الدعاية الرسمية حول موقف مصر “الثابت” من القضية الفلسطينية، ليس إلا ستارًا يخفي وراءه استعدادًا ضمنيًا للمشاركة في تصفية القضية إن تطلب الأمر. ليس هناك فرق جوهري بين موقف السيسي وموقف ترامب، فكلاهما يخدم المشروع ذاته، أحدهما ببلطجة واضحة والآخر بديبلوماسية هزيلة، لكن النتيجة واحدة.
لا يمكن الحديث عن تهجير الفلسطينيين اليوم دون العودة إلى لحظات تاريخية مشابهة. ما نراه الآن ليس سوى امتداد للنكبة، حين تم تهجير الفلسطينيين من أرضهم تحت قوة السلاح، مع وعود كاذبة بأنهم سيعودون قريبًا. الفارق الوحيد هو أن النكبة الجديدة تتم هذه المرة بشكل تدريجي، ببطء محسوب، وبغطاء دولي أكثر خبثًا، حيث تُرتكب الإبادة الجماعية في غزة، بينما يُناقش العالم “الحل الإنساني” الذي يتلخص في طرد الناجين إلى خارج وطنهم. على مدار 15 شهرًا، تعرض قطاع غزة لمجزرة متواصلة، لم يكن هدفها مجرد القتل والتدمير، بل خلق واقع يجعل البقاء مستحيلًا، بحيث يصبح التهجير “الخيار الوحيد”. هذه الجريمة ليست فقط من تنفيذ الاحتلال، بل هي منظومة دولية متكاملة، كل دولة فيها تلعب دورها، والسيسي ليس استثناءً، بل شريك في الجريمة.
وعلى الرغم من أن النظام المصري يُظهر موقفًا صلبًا في رفض تهجير الفلسطينيين، إلا أن المؤشرات على الأرض تقول غير ذلك. المباحثات السرية بين مسؤولين مصريين وإسرائيليين لم تتوقف، والمخططات التي كشفتها الصحافة العالمية حول “إعادة توطين” الفلسطينيين في سيناء لم يخرج النظام المصري لإنكارها صراحة، بل اكتفى بالنفي الديبلوماسي المعتاد. الفرق بين منطق الدولة ومنطق النظام أن الأول يعمل للحفاظ على الأمن القومي، بينما الثاني يعمل للحفاظ على بقائه. ولو كان التهجير يخدم بقاء السيسي في الحكم، فلن يتردد لحظة في تنفيذه، كما لم يتردد في تنفيذ كل ما طلب منه سابقًا، من تدمير الأنفاق الحدودية إلى تحويل معبر رفح إلى أداة عقاب جماعي.
أما الموقف الدولي، فهو مزيج من النفاق واللامبالاة. بعض الدول الأوروبية تتحدث عن رفض التهجير وكأنها تريد أن تصنع لنفسها صورة أخلاقية زائفة، لكنها في الواقع شريك مباشر في الجريمة، تدعم إسرائيل بالسلاح، وتبرر المجازر، وتقطع التمويل عن وكالة الأونروا، لتزيد الضغط على الفلسطينيين. الولايات المتحدة، من جهتها، لا تحتاج إلى إخفاء موقفها، فهي منخرطة بالكامل في المشروع، وترامب، الذي عاد إلى الحكم، صريح في رغبته في إنهاء القضية الفلسطينية نهائيًا بوسائل أكثر فجاجة.
أما الأردن، فقد أعلن رفضه القاطع لمخطط التهجير، وهو موقف يعكس فهماً عميقًا للمخاطر الاستراتيجية التي قد تترتب على تنفيذ مثل هذه السياسات. الأردن يدرك أن السماح بترحيل الفلسطينيين هو بمثابة توقيع على شهادة وفاة أي احتمال لقيام دولة فلسطينية مستقبلًا، وأن ذلك سيحوّله إلى فلسطين البديلة التي يسعى الاحتلال إلى فرضها. لكن في المقابل، لا يبدو أن الأردن قادر على إيقاف المخطط بمفرده، خاصة مع الضغوط الأمريكية والإسرائيلية المستمرة.
في النهاية، ما يحدث الآن هو أخطر لحظة تواجهها القضية الفلسطينية منذ عقود. التهجير ليس مجرد احتمال، بل هو سيناريو قيد التنفيذ، يتم تجهيزه تحت غطاء المجازر والتجويع والحصار. السؤال الحقيقي ليس هل سيرضخ النظام المصري في النهاية أم لا، بل متى، وبأي طريقة سيُمرر الأمر ليبدو وكأنه “خيار إنساني” وليس جريمة بحق شعب بأكمله. ما لم يكن هناك ضغط حقيقي، داخليًا وخارجيًا، لمنع هذا السيناريو، فإن التاريخ قد يعيد نفسه، وقد نجد أنفسنا أمام نكبة جديدة، بوجوه مختلفة، وأدوات أكثر تطورًا، لكن بنفس النتيجة: فلسطين تُسرق من جديد، بموافقة وصمت عربي، كما حدث من قبل.