رفضت مصر، في الوقت الحالي، الانضمام إلى اتفاقية الدفاع المشتركة بين تركيا والسعودية وباكستان، رغم عرض رسمي قدمته أنقرة وجهود تركية استمرت لفترة لدفع القاهرة نحو المشاركة، في قرار يكشف حجم التعقيدات التي باتت تحكم خيارات السياسة الخارجية المصرية وعلاقاتها مع الإمارات وإسرائيل.
وبحسب ما نقلته «ميدل إيست آي» عن مصادر مطلعة، لا يرتبط الموقف المصري باعتبارات عسكرية أو فنية فقط، بل برغبة القاهرة في تجنب ضغوط إسرائيلية محتملة وعدم الانحياز في ظل التوتر بين السعودية والإمارات.
وتجد القاهرة نفسها أمام معادلة شديدة الحساسية؛ إذ لا تريد الاختيار بين محور متنامٍ يضم تركيا والسعودية وباكستان، وبين شبكة علاقات تجمعها بإسرائيل والإمارات والهند، في ظل اعتمادها على علاقات أمنية مع إسرائيل، وصلات مالية واستثمارية واسعة مع أبوظبي، إلى جانب شراكتها التجارية مع نيودلهي.
خشية من إغضاب إسرائيل
أحد أكثر أبعاد القرار المصري دلالة هو حضور العامل الإسرائيلي في حسابات القاهرة.
فبحسب المعلومات المنشورة، تخشى مصر أن يؤدي انضمامها إلى الاتفاق الدفاعي الجديد إلى ضغوط إسرائيلية، خصوصًا مع تنامي التعاون العسكري بين تركيا والسعودية وباكستان ووجود مخاوف إسرائيلية من تشكل منظومة إقليمية مستقلة عن ترتيباتها الأمنية.
وهنا يبرز سؤال سياسي صعب: إذا كانت حسابات رد الفعل الإسرائيلي تؤثر في قرار مصر بشأن الانضمام إلى تحالف دفاعي مع ثلاث دول إسلامية كبرى، فما مقدار الاستقلال الذي بقي للقرار الاستراتيجي المصري؟
أبوظبي حاضرة أيضًا في الحسابات
ولا تتوقف المعضلة عند إسرائيل، إذ يأتي القرار في ظل التباين المتزايد بين السعودية والإمارات بشأن عدد من ملفات المنطقة.
وترتبط حكومة السيسي بعلاقات مالية واستثمارية عميقة مع أبوظبي، التي ضخت عشرات المليارات من الدولارات في مصر واستحوذت شركاتها على حصص وأصول ومشروعات استراتيجية خلال السنوات الماضية.
وبالتالي فإن انضمام القاهرة إلى تحالف تقوده، إلى جانب تركيا وباكستان، السعودية التي تتنافس مع الإمارات على شكل النظام الإقليمي الجديد قد يُقرأ في أبوظبي باعتباره انحيازًا مصريًا إلى المعسكر المقابل.
وهكذا تتحول الأموال والنفوذ الاقتصادي الإماراتي إلى عامل لا يمكن تجاهله عند صياغة خيارات القاهرة الاستراتيجية.
مصر بين محورين
المشهد الذي ترسمه المصادر يتجاوز اتفاقية دفاع واحدة.
فمن جهة، يتشكل تقارب بين تركيا والسعودية وباكستان يقوم على التعاون العسكري والدفاعي، ومن جهة أخرى توجد شبكة مصالح متشابكة بين الإمارات وإسرائيل والهند.
أما مصر، التي كان يفترض بحكم حجمها وموقعها وقوتها العسكرية أن تكون إحدى الدول التي تصوغ توازنات المنطقة، فتبدو حريصة على عدم إغضاب أي من الأطراف أكثر من سعيها إلى بناء محور تتحرك داخله وفق مصالحها الخاصة.
علاقات السيسي تفرض كلفتها
تكشف القضية إحدى النتائج طويلة المدى للسياسة التي اتبعها السيسي خلال السنوات الماضية.
فالتوسع الإماراتي في الاقتصاد المصري لم يكن بلا تبعات سياسية، كما أن تعميق التنسيق الأمني والاقتصادي مع إسرائيل جعل تل أبيب حاضرة في حسابات القاهرة الإقليمية بدرجة متزايدة.
وهنا تظهر الكلفة: عندما تحتاج مصر إلى اتخاذ قرار استراتيجي بشأن تحالف دفاعي إقليمي، تصبح حسابات ماذا تريد أبوظبي؟ وكيف سترد إسرائيل؟ جزءًا من المعادلة.
ولا يعني ذلك أن الانضمام إلى الاتفاق الثلاثي سيكون بالضرورة الخيار الأفضل لمصر؛ فأي تحالف دفاعي يجب تقييم التزاماته ومخاطره وشروطه العسكرية أولًا. لكن اللافت، وفق الرواية المنشورة، هو طبيعة الأسباب التي تدفع القاهرة إلى التردد.
تركيا لا تعتبر الباب مغلقًا
في المقابل، لا تبدو أنقرة مقتنعة بأن الموقف المصري نهائي.
وقال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إنه يتوقع انضمام مصر في مرحلة لاحقة، مشيرًا إلى وجود «بعض المسائل الفنية» التي تحول دون المشاركة حاليًا.
ويعني ذلك أن تركيا ما تزال تنظر إلى القاهرة باعتبارها مكونًا محتملًا في المنظومة الجديدة، وهو أمر مفهوم بالنظر إلى الوزن العسكري والجغرافي المصري؛ فانضمام مصر سيحول الاتفاق من تحالف ثلاثي مهم إلى كتلة إقليمية ضخمة تمتد من شرق المتوسط والبحر الأحمر إلى الخليج وجنوب آسيا.
من يقود قرار مصر؟
القضية في النهاية أكبر من قبول اتفاقية أو رفضها.
فمن حق القاهرة أن تقرر أن التحالف لا يخدم مصالحها، ومن حقها الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف القوى. لكن التوازن شيء، وأن تصبح خشية إغضاب حلفاء خارجيين قيدًا على خيارات الدولة شيء آخر.
فبعد سنوات من ارتهان اقتصاد السيسي للتدفقات والاستثمارات الإماراتية وتعميق العلاقات الأمنية مع إسرائيل، تظهر اليوم إحدى كلف هذه السياسة: مصر تتردد أمام تحالف دفاعي يجمع تركيا والسعودية وباكستان، بينما تحضر أبوظبي وتل أبيب بقوة في حسابات القرار.
والمفارقة أن مصر، بثقلها العسكري والجغرافي والتاريخي، كان يفترض أن تكون طرفًا يصنع محاور المنطقة لا دولة تحاول تحديد موقعها بينها. لكن سياسات السيسي أوصلت القاهرة إلى معادلة أكثر إرباكًا: كيف تتحرك مصر من دون إغضاب بن زايد، ومن دون إثارة مخاوف إسرائيل؟