في خطوة تعكس تحوّلاً كبيراً في ميزان القوى المائية في حوض النيل، دشّنت إثيوبيا مؤخرًا سدّ النهضة بشكل رسمي معلنةً تشغيل جميع توربيناته لتوليد ما يصل إلى 4000 ميغاواط/ساعة من الكهرباء، ليصبح بذلك أضخم مشروع مائي في القارة الأفريقية. 

وبينما اعتبرت أديس أبابا هذا الإنجاز بداية عهد جديد من التنمية، يرى خبراء السدود أن الخطر الحقيقي يلوح في الأفق، وأن تداعياته على مصر قد تكون كارثية في المستقبل، خصوصًا مع استمرار تجاهل النظام المصري بقيادة عبد الفتاح السيسي للملف، ما أدى إلى ضياع الحق التاريخي لمصر في مياه النيل.

مشروع ضخم يثير المخاوف الإقليمية

منذ وضع حجر الأساس عام 2011، شكّل سد النهضة محورًا للأزمات والتوترات السياسية بين مصر والسودان وإثيوبيا، إذ تخشى القاهرة من تقليص حصتها التاريخية من مياه النيل البالغة نحو 55.5 مليار متر مكعب سنويًا، بينما تنظر إليه إثيوبيا بوصفه مشروعًا قوميًا لانتشالها من الفقر ودمجها في سوق الطاقة الأفريقية.

وقد فشلت جولات التفاوض المتكررة، سواء برعاية الاتحاد الأفريقي أو الولايات المتحدة، في التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن ملء وتشغيل السد، في ظل تعنّت إثيوبي وغياب أدوات ضغط حقيقية من الجانب المصري، ما جعل القاهرة تبدو وكأنها سلّمت فعليًا بحقوقها المائية التاريخية. ووصلت الأزمة في بعض مراحلها إلى حد التلويح باستخدام القوة العسكرية، قبل أن تتراجع مصر عن هذا الخيار دون تحقيق أي مكاسب ملموسة على الأرض.

الواقع الراهن: تأثير محدود بفعل الحرب في السودان

رغم المخاوف الكبيرة، يؤكد خبير هندسة السدود الدكتور محمد حافظ أن الوضع الراهن لا ينذر بتأثيرات فورية كبيرة على مصر، مرجعًا ذلك إلى ظروف استثنائية مرتبطة بالحرب الدائرة في السودان. وأوضح أن الخرطوم، التي تمتلك سلسلة سدود حيوية مثل سد الروصيرص وسد سنار، فقدت القدرة على تشغيلها بكفاءة نتيجة الفوضى الأمنية وانهيار مؤسسات الدولة، وهو ما جعل المياه تتدفق نحو مصر دون عراقيل تُذكر.

وبيّن حافظ أن التصريف الطبيعي الحالي عبر توربينات سد النهضة والبوابات السفلية يصل إلى نحو 450 مليون متر مكعب يوميًا، وهو ما يبقي منسوب المياه مستقرًا أمام سد الروصيرص الذي تبلغ طاقته الاستيعابية القصوى نحو 500 مليون متر مكعب. كما لفت إلى أن البيانات الرسمية سجلت إنتاجًا فعليًا للطاقة عند لحظة الافتتاح بلغ 4000 ميغاواط/ساعة من خلال تشغيل 13 توربينًا بكفاءة طبيعية.

وأضاف أن إثيوبيا لا تعتمد على تشغيل جميع التوربينات دفعة واحدة كما روّجت بعض وسائل الإعلام المصرية، بل تتبع نظام “الورديات” لتفادي استنزاف مخزون البحيرة بسرعة، وهو ما يضمن لها إنتاج الكهرباء بشكل مستمر على مدار العام ويحافظ في الوقت نفسه على مستوى المياه في البحيرة.

الخطر الحقيقي: سيناريوهات المستقبل القاتمة

لكن حافظ حذر من أن هذا الاستقرار قد لا يدوم طويلاً، مشيرًا إلى أن أي استقرار سياسي في السودان وعودة القدرة التشغيلية لسدوده سيغير المعادلة جذريًا. فالسودان في الظروف الطبيعية يحتجز كميات ضخمة من المياه في سدوده، وعند استعادة هذه القدرة ستتراجع الكميات التي تصل إلى مصر، وهو ما سيؤدي إلى فجوة مائية حادة في الداخل المصري.

كما أشار إلى أن أخطر سيناريو يهدد مصر هو إقدام إثيوبيا على بناء سدود إضافية على النيل الأزرق، وهو ما سيمكنها من التحكّم الكامل في التدفق الطبيعي للنهر، وبالتالي التحكم في حياة أكثر من 100 مليون مصري يعتمدون على النيل بنسبة تفوق 95% من احتياجاتهم المائية.

ولم يستبعد حافظ احتمال تغييرات سياسية في السودان، مثل تقسيمه إلى دويلات أو سيطرة قوى مسلحة محلية على السدود هناك، الأمر الذي قد يدفع هذه الأطراف إلى استخدام المياه كورقة ضغط أو ابتزاز ضد مصر. وفي مثل هذه الحالة، ستجد القاهرة نفسها في مواجهة تحالف مائي إثيوبي-سوداني غير معلن، وهو سيناريو قد يؤدي إلى أزمة وجودية حقيقية خلال عقد واحد فقط.

فشل استراتيجي مصري وتفريط تاريخي

يرى مراقبون أن غياب أي رد فعل فعّال من النظام المصري إزاء تدشين السد يفضح حجم التراجع الذي أصاب السياسة الخارجية المصرية في عهد السيسي، حيث انشغل النظام في عقد صفقات مؤقتة لكسب الوقت بدلًا من انتهاج مسار استراتيجي حاسم يحافظ على الحقوق التاريخية لمصر. ويشير هؤلاء إلى أن القاهرة تخلّت تدريجيًا عن شروطها السابقة بضرورة توقيع اتفاق ملزم قبل الملء الأول، ثم قبلت بالأمر الواقع حتى تم الملء الرابع دون أي مكاسب سياسية أو قانونية تذكر.

ويحذّر خبراء من أن مصر قد تكون قد تجاوزت نقطة اللاعودة في هذا الملف، خاصة مع اكتمال تشغيل سد النهضة فعليًا، ما يجعل أي محاولة مستقبلية للتفاوض مجرد مسعى شكلي بلا نفوذ حقيقي.

خاتمة: المعركة لم تبدأ بعد

يخلص الدكتور حافظ إلى أن التهديد الحقيقي لسد النهضة لم يبدأ بعد، وأن ما تعيشه مصر حاليًا من استقرار مائي نسبي ليس سوى نتيجة ظرفية لشلل السدود السودانية بفعل الحرب. لكنه شدد على أن السنوات المقبلة قد تشهد تغييرات جذرية في موازين المياه بالمنطقة، وأن إدارة إثيوبيا للتدفق الطبيعي للنيل الأزرق ستبقى العامل الحاسم في تقرير مصير مصر المائي، محذرًا من أن تجاهل النظام المصري الحالي لهذه الحقائق قد يضع البلاد على أعتاب كارثة وجودية تهدد بقاءها ذاته.

اقرأ أيضًا : السفير الأمريكي: إسرائيل شريكنا الحقيقي الوحيد في المنطقة