في تأكيد صريح لطبيعة النظام الحاكم في مصر، أعلن طارق الخولي، عضو لجنة العفو الرئاسي وأحد أبرز المقربين من السلطة، أن المعتقلين المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين مستثنون كليًا من قرارات العفو الرئاسية، حتى إن لم يتورطوا في العنف.
هذه التصريحات، التي جاءت ضمن تصريحات إعلامية محلية، تكشف بوضوح العقلية الانتقامية التي تُدار بها الدولة المصرية، وتكرّس منطق تصفية الخصوم لا احتوائهم، ما يضع ملف المعتقلين في مأزق مفتوح، ويكشف عن انسداد كامل في أي أفق للحل السياسي أو المصالحة الوطنية.

العفو للجريمة.. لا للسياسة
قرارات العفو الرئاسي التي تصدر في المناسبات الدينية والوطنية باتت مرادفًا لإفراجات بالجملة عن الجنائيين وتجار المخدرات والمتورطين في قضايا قتل وبلطجة، بينما يُقصى منها السجناء السياسيون، وعلى رأسهم المنتمون للتيار الإسلامي. فقد شهدت مناسبات مثل عيد الأضحى وثورة 25 يناير الإفراج عن آلاف من السجناء الجنائيين، فيما لم تتضمن تلك القرارات أي حضور للسياسيين، إلا ما ندر وتحت ضغط الانتقادات الحقوقية المتواصلة.
تصريحات طارق الخولي التي وصف فيها الإخوان بأنهم “مرشحون للعنف” حتى وإن لم يمارسوه، ليست مجرد رأي شخصي، بل تعبير واضح عن السياسة الأمنية للنظام. فمجرّد الانتماء السياسي بات تهمة كافية للحرمان من أبسط حقوق العدالة، بما في ذلك العفو أو مراجعة القضية، في تمييز فاضح لا يستند إلى قانون أو منطق سوى منطق الانتقام السياسي.
نظام لا يعفو بل يعاقب المرضى والأطفال
تصريحات الخولي لم تكن سوى رأس جبل الجليد، إذ إن الواقع داخل السجون المصرية يشهد انتقامًا مستمرًا من المعتقلين، عبر الانتهاكات الجسيمة الممنهجة، ومنع العلاج، والتعذيب، والحرمان من الزيارة، والتدوير في قضايا جديدة بعد انتهاء المدد القانونية. عشرات الحالات الموثقة توفي أصحابها داخل السجون بسبب الإهمال الطبي، أبرزهم الشاب جهاد عبد الغني، الذي توفي إثر إصابته بسرطان في الفك دون علاج، رغم المناشدات الحقوقية والإنسانية.
ولا يقتصر الانتقام على الرجال فحسب، بل يمتد إلى النساء والأطفال، حيث تواجه المعتقلات السياسيات تهديدات بالتحرش والاغتصاب، بينما تتعرض فتيات مثل حبيبة صبحي للاعتقال منذ طفولتها، في ظل صمت قضائي مطبق، واختفاء قسري لمئات النساء، من بينهن سلمى عبد المجيد وشيماء طه. بل إن أبسط الحقوق، مثل اللقاء دون حواجز بين الأب وأطفاله، بات حلمًا لا يتحقق إلا مرة واحدة كل عدة سنوات.
“كفاية ظلم” – بهذه العبارة البسيطة اختزلت زوجة أحد المعتقلين معاناة آلاف الأسر التي لم تعد تتوقع شيئًا من نظام يعتبر المعتقلين عبئًا يجب التخلص منه، لا مواطنين أصحاب حق في الحرية والعدالة.
الدولة الأمنية تغلق كل الأبواب
نظام عبد الفتاح السيسي، بعد 12 عامًا من الانقلاب، لا يظهر أي نية لطي صفحة الاعتقالات أو تحقيق انفراجة سياسية. بل على العكس، يستمر في اعتقال من أنهوا مدد حبسهم، ويمنع الإفراج عن المرضى، ويعتمد سياسة الإذلال والتجويع، وحتى “حمام العسل” – وهو أسلوب تعذيب بشع موثق – بات ممارسة معتادة في سجون مثل الوادي الجديد.
منظمة الشهاب لحقوق الإنسان، وتحالف المادة 55، والشبكة المصرية لحقوق الإنسان، رصدت تقارير مرعبة عن أوضاع المحتجزين، تؤكد أن أكثر من 60 ألف معتقل سياسي لا يتلقون العلاج، ولا يُسمح لهم بالزيارات، ولا يعرفون حتى مصير قضاياهم. وفي ظل قضاء مسيّس وإعلام مُدار من الأجهزة الأمنية، لم تعد هناك مؤسسة واحدة قادرة على كبح جماح هذا الإجرام المنظم ضد خصوم النظام.
الأكثر فداحة أن الشخصيات التي تتحدث باسم الدولة وتبرر هذا الظلم، مثل طارق الخولي، كانت ذات يوم تنتمي لحراك ثوري يرفع شعارات الحرية والعدالة. واليوم، تحولت تلك الوجوه إلى أدوات دعائية لتبييض جرائم النظام، بل وتبرير استمرارها باسم “الأمن القومي”.
خاتمة: لا مستقبل للانتقام
تصريحات الخولي ليست مجرد تأكيد على موقف سابق، بل رسالة صريحة بأن هذا النظام لا يسعى لأي مصالحة أو عدالة انتقالية. بل إن كل محاولة لتقديم ملف المعتقلين على طاولة الحل تصطدم بجدار أمني صلب، لا يعترف بحقوق الإنسان، ولا بالدستور، ولا بأي مبدأ قانوني.
لكن، هل الاستقرار يُبنى على القمع؟ وهل الأمن يتحقق مع عشرات آلاف المعتقلين، وسجون ملأى بالشباب والنساء؟ الجواب يأتي من التاريخ: لا نظام انتصر على شعبه إلى الأبد. وإن استمر القهر، فلابد أن يتولد الغضب، وحينها لا تفيد لجنة عفو ولا تبرير.
ما بعد هذه التصريحات هو استمرار واضح لمسار الدولة الأمنية في مصر، لكن ما بعدها أيضًا قد يكون بداية الغليان الصامت.. ذلك الذي لا يحسب له النظام حسابًا إلا بعد فوات الأوان.
اقرأ أيضًا : هشاشة الردع الإسرائيلي تتكشف: الحوثيون يقصفون الأراضي المحتلة بعد ساعات من غارات على الحديدة