أثارت صور نشرتها القيادة المركزية الأمريكية من مناورة “النجم الساطع 25” في قاعدة “محمد نجيب” العسكرية شمال غرب مصر، عاصفة من الجدل بعد ظهور متدرّب يرتدي الكوفية الفلسطينية ضمن مشاهد قتال وُصفت بأنها ضد “الإرهابيين”.

هذا التفصيل الصغير حمل رسائل سياسية وأمنية كبيرة، وفتح الباب أمام تساؤلات عن مغزى إدخال رمزية فلسطينية في تدريبات مصرية أمريكية مشتركة، وعن الدور الذي يلعبه نظام عبد الفتاح السيسي في ترتيبات إقليمية تتجاوز مجرد التعاون العسكري.

 

المشهد الذي فجّر الغضب

الصور التي انتشرت من التدريب أظهرت عدة سيناريوهات:

  • مجموعة مسلحة ترفع رايات سوداء تشبه تلك التي استخدمتها التنظيمات المتطرفة.
  • عناصر مدربة على مهاجمة “تلة” مفترضة بعد تفجيرها وإحراق مبانيها.
  • الأهم: شخص يقود دراجة، يرتدي زيا رياضيا ويضع الكوفية الفلسطينية على رأسه، حاملا سلاحا آلياً.

هذا المشهد الأخير هو الذي أشعل النقاش، إذ بدا وكأنه ربط مباشر بين رمزية فلسطينية والمشهد “الإرهابي”، بما يشي بأن جزءا من التدريب موجه ضد الفلسطينيين أنفسهم.

ما وراء الكوفية الفلسطينية

إقحام الكوفية الفلسطينية لم يكن تفصيلا عابرا؛ فهذه الرمزية ترتبط تاريخيا بالمقاومة الفلسطينية. إظهارها في مناورات عسكرية مصرية-أمريكية تحت عنوان “محاربة الإرهاب” يعكس إعادة صياغة للوعي الجمعي، بحيث يُراد تصوير الفلسطيني المقاوم كجزء من التهديدات الأمنية.

هذا التوظيف يأتي في وقت يشهد قطاع غزة حرب إبادة مستمرة منذ عامين، وسط محاولات إسرائيلية وأمريكية لفرض سيناريوهات تهجير جماعي، وخلق واقع جديد يجرّد الفلسطينيين من القدرة على المقاومة أو حتى من حقهم في البقاء على أرضهم.

تكرار الرسائل.. من مسجد 2016 إلى غزة 2025

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يضع الجيش المصري رموزا دينية أو وطنية في خانة “العدو”. ففي يوليو 2016، وخلال حفل تخرج الكلية الجوية بحضور السيسي، جرى تدريب على اقتحام مجسم مسجد وإطلاق النار عليه، في رسالة أوضح من أن تُخفى.

اليوم، يظهر الفلسطيني بزيه الرمزي (الكوفية) في مناورات “النجم الساطع”، وكأن الجيش المصري يُعدّ قواته نفسيا وعمليا لمعادلة جديدة: الفلسطيني لم يعد شقيقا، بل هدفا محتملا في سيناريو أمني إقليمي.

السيسي وصفقة القرن

منذ بداية حكمه، ارتبط اسم السيسي بما سُمي “صفقة القرن”. فقد كان أول من بشّر بها خلال فترة ترامب، وترافق ذلك مع تهجير أهالي سيناء، إغراق الأنفاق، وبناء مدينة سكنية ضخمة على مقربة من غزة، قيل إنها قادرة على استيعاب سكان القطاع بالكامل.

رغم تصريحات النظام المصري المتكررة بأن “تهجير الفلسطينيين خط أحمر”، إلا أن الوقائع على الأرض تكشف العكس: تحضيرات بنية تحتية في سيناء، مجمعات خيام داخل غزة بتمويل وإشراف مصري، وتدريبات عسكرية ترسم صورة الفلسطيني كعدو. كل ذلك يعيد تشكيل البيئة استعدادا لسيناريو تهجير أو إعادة توزيع سكاني، بما يخدم مشروع تصفية القضية الفلسطينية.

النجم الساطع.. ودلالات التوقيت

مناورات “النجم الساطع 25” التي جرت بين 28 أغسطس و10 سبتمبر بمشاركة 43 دولة، تزامنت مع لحظة حساسة:

  • عدوان إسرائيلي على الدوحة بـ14 صاروخا.
  • تصاعد المخاوف من توسع الحرب في المنطقة.
  • تحركات خليجية لتوقيع اتفاقيات دفاع مشترك مع باكستان والهند.

في هذا السياق، تصبح التدريبات المصرية-الأمريكية جزءا من خارطة أمنية إقليمية، حيث تلعب القاهرة دور “الحارس” لحدود إسرائيل الجنوبية، وضابط إيقاع لسيناريوهات ما بعد غزة.

مشروع عربي أمريكي مشترك

المؤشرات المتراكمة تكشف أن مصر ليست مجرد شريك في تدريبات روتينية، بل جزء من مشروع عربي أمريكي لإعادة تشكيل غزة. الهدف المعلن هو محاربة “الإرهاب”، أما الهدف الفعلي فهو إضعاف أي مشروع مقاوم وتحويل غزة إلى نسخة جديدة من الضفة الغربية: سلطة أمنية خاضعة، معزولة بمناطق عازلة، ومقطّعة الأوصال جغرافيا وديمغرافيا.

مصر بين الشعارات والواقع

النظام المصري يعلن دوما رفض التهجير وحرصه على “الأمن القومي”، لكن في الواقع:

  • 40 ألف جندي ينتشرون قرب الحدود تحسبا لاندفاع فلسطيني قسري نحو سيناء.
  • تصريحات رسمية (ككلام مدبولي عن “خطط طوارئ”) تكشف عن استعدادات عملية لاستقبال مهجرين.
  • استمرار التنسيق الأمني مع إسرائيل رغم التصريحات السياسية المناوئة.

هنا يبرز التناقض الفاضح: شعارات دعم القضية الفلسطينية للاستهلاك الشعبي، في مقابل سياسات عملية تخدم مخططات واشنطن وتل أبيب.

خلاصة

ظهور شخص يرتدي الكوفية الفلسطينية ضمن تدريبات “النجم الساطع” ليس خطأ في الإخراج العسكري، بل رسالة متعمدة. إنها بروفة سياسية وعسكرية لسيناريو أكبر يُراد فرضه على المنطقة: الفلسطيني ليس ضحية الاحتلال، بل هو “الإرهابي” الجديد الذي يجب على الجيوش العربية والأمريكية أن تتدرب على مواجهته.

بهذا يتحول السيسي من حاكم لدولة عربية مجاورة لفلسطين، إلى شريك مباشر في إعادة صياغة العدو، خدمة لمشروع تصفية القضية الفلسطينية، وتثبيت مكانه في معادلة إقليمية تقودها واشنطن وتل أبيب.

اقرأ أيضًا : المقاومة تنبت من الأرض.. صدمة بأوساط الاحتلال بعد كشف خلية صواريخ قرب رام الله