لقد كشف موقع “ديسكلوز” المتخصص في التحقيقات الصحفية الطويلة مؤخرًا في تحقيقه عن فضيحة عسكرية كبيرة، ووضح هذا التحقيق مشاركة قوات فرنسية في عمليات استخباراتية عسكرية لصالح الجيش المصري، والتي استهدفت المئات من المدنيين على الحدود المصرية الليبية. وقد وجه التحقيق الأنظار إلى اتفاقات عسكرية سرية بين الإيليزيه من جهة، سواء في عهد فرانسوا هولاند أو إيمانويل ماكرون، وبين الحكومة المصرية، وتحولت هذه الاتفاقيات إلى تحول مصر إلى أحد أهم مشتري الصناعات العسكرية الفرنسية في الأعوام الأخيرة.
سيرلي.. عملية استخابرات سرية
في تاريخ ١٣ نوفمبر/شباط عام ٢٠١٦، كانت القاعدة العسكرية بمرسى مطروح تنتظر مجموعة عسكرية مهمة، حيث وصلت شاحنة إلى المنطقة -والتي تبعد نحو ٥٧٠ كيلومترًا عن القاهرة- تحمل ١٠ فرنسيين دخلوا إلى البلاد بتأشيرات سياحية. وكان قد نزل الفريق الفرنسي في مبنى بدائي يفتقد للخدمات الآدمية الأساسية كالماء ومكيفات الهواء، وهذا المبنى من بدء هذه اللحظة كان بمثابة مركز لعمليات عسكرية فرنسية سرية بمصر، أُطلق عليه اسم “سيرلي”.
بدأت الخطوات الأولى لهذه العمليات العسكرية في ٢٥ يوليو/ تموز ٢٠١٥، حيث قام كل من وزير الدفاع الفرنسي السابق جون إيف لو دريان ووزير الخارجية الفرنسي الحالي بزيارة العاصمة المصرية القاهرة، وكان بصحبتهما مدير المخابرات العسكرية الفرنسية السابق كريستوف غومار، وكانت هذه الزيارة للقاء وزير الدفاع المصري وقتها صدقي صبحي. كانت الأجواء إيجابية للغاية وذلك بسبب صفقات التسليح التي عقدتها القاهرة قبلًا مع باريس، والتي وصلت قيمتها إلى ٥.٦ مليارات يورو مقابل اقتناء ٢٤ طائرة رافال وسفينتين حربيتين.
استغل الجانب المصري إقبال الفرنسيين لتوطيد العلاقات العسكرية مع القاهرة وتحقيق المزيد من عقود الأسلحة المربحة، وطلب الجانب المصري مساعدة من باريس لتأمين ١٢٠٠ كيلومترًا من الحدود المصرية الليبية، وقد وافق الفرنسيون فورًا وبدأوا العمل على خطة عسكرية سرية تحت ظل إطار “الحرب على الإرهاب”، وأشرف على هذه الخطة الاستخبارات العسكرية الفرنسية إشرافًا مباشرًا، ثم وقع الطرفان اتفاقًا بذلك وفق الخطوط العامة لهذه العملية وأهدافها وحدودها.
بعد أشهر قليلة من هذا الاتفاق، وصل إلى مصر فريق فرنسي مكون من ٤ أفراد بالجيش الفرنسي و٦ جنود سابقين يعملون حاليًا في “القطاع العسكري الخاص”، بالإضافة إلى طيارين و٤ محللين عسكريين يعملون لدى شركة “CAE Aviation” وهي شركة مسجلة في لوكسمبورغ. ولم تقم الشركة بالمشاركة في العمليات عن طريق هؤلاء الأفراد فحسب، بل كانت وراء تزويد فرنسا بالقطعة الأهم في هذه العملية، وهي طائرة مراقبة خفيفة من طراز “Merlin 3″، والتي كلفت الفرنسيين نحو ١.٤٥ مليون يورو، والتي استخدمت كثيرًا ما بين يوليو/تموز وديسمبر/ كانون الأول ٢٠١٦.
استهداف المهربين
كان الهدف من العملية على الورق هو مساعدة القاهرة على تأمين حدودها مع ليبيا، والتي شهدت آنذاك اشتداد القتال الأهلي الذي شارك فيه عدد من التنظيمات الجهادية وكان أبرزها تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”. ولكن بعد مدة قصيرة من بدء تنفيذ العمليات، أظهر الجانب المصري اهتمامًا أكبر بهدف آخر بعيد عن التنظيمات العسكرية وهم المهربون المدنيون.
يوضح تحقيق ديسكلوز أنه بعد شهرين من بدء عملية “سيرلي”، توصلت إدارة الاستخبارات العسكرية الفرنسية من خلال تقرير قدمه ظابط فرنسي في تاريخ ٢٠ إبريل/ نيسان ٢٠١٦ يشير إلى أن الجانب المصري أراد تنفيذ عمليات مباشرة ضد المهربين، وأنه لا يوجد هدف حقيق لديه في استغلال عمليات المسح التي قامت بها طائرة المراقبة في البحث عن عناصر إرهابية حقيقة. وتكرر الأمر نفسه بعد ٤ أشهر من التقرير الأول، إذ صدر تقرير جديد يوضح أن النظام المصري قام باستهداف المهربين لا الإرهابيين وأنه مصر على ذلك، وهم مهربون مخدرات وأسلحة أحيانًا، وفي أحيان أخرى يهربون الحبوب ومساحيق التجميل بهدف البحث عن لقمة العيش، وتتراوح أعمارهم ما بين ١٨- ٣٠ سنة.
يزعم الموقع الفرنسي أن ٥٠٪ من سكان مرسى مطروح يعيشون من قوت “التهريب”، إذ يتلقى المهرب من تهريب حافلة من علب السجائر مثلًا نحو ٣٨٠٠ يورو، في مقابل أن الدخل اليومي للعمال في حقول الزيتون أو في جني التمور لا يتعدى ال٦ يورو فقط. بيد أن عملية التهريب ذات خطورة كبيرة، فقد أعلنت الرئاسة المصرية في يوليو/ تموز عام ٢٠٢٠ عن تدمير ١٠ آلاف عربة لمهربين وإرهابيين على مدار ٧ سنوات، وهو ما يعني مقتل آلاف من المدنيين. وقد زاد ضيق عملاء الاستخبارات الفرنسية بعد تأكدهم من أن عملهم في مصر لا يجدي كثيرًا، إذ يرفض النظام المصري اقتراب طائرة المراقبة الفرنسية من منطقة سيناء أو الداخل الليبي، حيث مكان نشاط العديد من التنظيمات الجهادية الإرهابية، بل يكتفي باستهداف المهربين على الحدود فقط.
وفي تاريخ ٢١ سبتمبر/ أيلول عام ٢٠١٦، رصدت طائرة تجسس فرنسية إحداثيات سيارات تسير وسط الكثبان الرملية، وبعدها قامت الطائرة بالتواصل مع مركز العمليات الفرنسي الأرض والذي قام بنقل الإحداثيات إلى غرفة عمليات الجيش المصري. ثم في غضون دقائق التقطت كاميرات المراقبة استهداف طائرات خاصة تابعة للجيش المصري لهذه السيارات التي كانت تنقل عددًا من المهربين. وحسب ما نُشر في التحقيق، كانت هذه العملية هي واحدة من ١٩ عملية شاركت فيها الاستخبارات الفرنسية بمعلوماتها في استهداف عدد من المدنيين، وبعد أيام أعلنت وزارة الدفاع المصرية عن تدمير ٨ عربات لمهربين محتملين تدميرًا كليًا.
ماكرون يجدد العملية
بعد وصول ماكرون إلى منصب رئاسة فرنسا، أكد في خطاب له يوم ٧ مايو/ أيار عام ٢٠١٧ أن أوروبا والعالم في انتظار بلاده للدفاع عن “الأنوار المهددة” في العديد من الدول، والدفاع كذلك عن الحريات ونصرة المظلومين. وبعد ثلاثة أسابيع من قيامه بهذا الخطاب قام ماكرون باتصال مع نظيره الانقلابي المصري عبدالفتاح السيسي وتحدثا عن حادثة استهداف مواطنين مصريين مسيحيين من طرف داعش. ولم يتطرقا لهذه الحادثة فقط، بل ركزا أيضًا على العمليات الموجودة على الحدود المصرية الليبية، حيث أكد الرئيس الفرنسي لنظيره المصري أنه يملك جميع المعلومات حول هذه العمليات وتطوراتها.
وفي غضون ساعات بعد هذا الاتصال تلقى قائد أركان الجيش الفرنسي بيير دو فيليي رسالة من مدير الاستخبارات الفرنسية السابق كريستوف غومار، وتفيد هذه الرسالة بأن السيارات التي استهدفت في سبتمبر/ أيلول لم تكن تابعة لأي تنظيم إرهابي، وأضاف فيها أن “الحرب على الإرهاب ليس على رأس أولويات المصريين، بل إنها في المركز الثالث”.
ولكن لم تكن أيًا من هذه التقارير مؤثرًا على سير العمليات، بل إن وزيرة الدفاع الفرنسية السابقة سيلفي غولار قامت بزيارة إلى مصر في السادس من يوليو/ حزيران عام ٢٠١٧ للقاء السيسي، وأكدت له استعداد ماكرون لرفع معدل العمليات، ولا سيما أنها تساعد علـى الوصول إلى نتائج قام بوصفها الرئيس الفرنسي بالممتازة والاستثنائية.
بعد هذه الزيارة جاء وزير الدفاع الفرنسي السابق جو إيف لو دريان -والذي كان قد عين لتوه وزيرًا للخارجية- لزيارة صدقي صبحي، حيث ناقش الرجلان الشق السري للعملية العسكرية “سيرلي”، وبعدها استمرت طائرات الجيش المصري في استهداف السيارات التي كانت تتحرك في المنطقة، وكان أحد الضحايا هذه المرة هو المهندس المصري أحمد الفقي واثنان من زملائه كانوا يعملون على تمهيد طريق بالقرب من واحة بحرية، إذ ضربت طائرة مصرية شاحنتهم الصغيرة فقتلتهم.
لم تتغير رغبة باريس والقاهرة في مواصلة سير العمليات العسكرية في المنطقة، وقبيل زيارة الرئيس الفرنسي للقاهرة بداية عام ٢٠١٩ برفقة وزير دفاعه الجديد فلورانس بارلي، وصل إلى ماكرون تقرير من الجهة المسؤولة عن الشؤون الأفريقية بالإليزيه يحتوي على توقسع اتفاق قانوني يحمي التدخل الفرنسي، لكن ساكن الإليزيه لم يعطِ هذه التوصيات أي اهتمام، بل منح السيسي وسام جوقة الشرف -وهو أرفع وسام فرنسي- في يوم ٥ ديسمبر/ كانون الأول عام ٢٠٢٠، وذلك بعد أن قام الطرفان بعقد صفقة تسليح قبل أشهر، ووصلت قيمة هذه الصفقة إلى ٣.٦ نليون يورو مقابل ٣٠ طائرة رافال.
برود إعلامي فرنسي وفتح تحقيقات
قابلت وسائل الإعلام الفرنسية هذا التحقيق بنوع من البرود، باستثناء منابر إعلامية محدودة، فلم تثر أخبار عملية “سيرلي” هيئات التحرير الفرنسية في المواقع والصحف والقنوات التلفزيونية. وعلى الرغم من ذلك أكدت وزيرة الدفاع فلورانس بارلي فتح تحقيق داخلي يهدف إلى البحث عن مدى صحة “استعمال المصريين للمعلومات الاستخباراتية” لاستهداف مدنيين بدلًا من الجهاديين كما ذكر ذلك في اتفاق ٢٠١٦ السري.
وقد أشارت الوزيرة الفرنسية إلى أن مصر تشارك في تبادل المعلومات الاستخباراتية بهدف محاربة الإرهاب في المنطقة وحماية الفرنسيين. ورفضت بارلي الإفصاح عن أي معلومات أخرى حول هذا التعاون العسكري باعتبار أنه شديد السرية، لكنها أكدت كذلك أن وزارتها ستأخذ المعلومات التي نشرت حول هذه العملية في وسائل الإعلام على محمل الجد.
أما على الجانب السياسي فقد دعا حزب “فرنسا الأبية” اليساري المتطرف إلى فتح تحقيق دقيق داخل البرلمان الفرنسي، ودعا كلًا من جون إيف لودريان وإيمانويل ماكرون وفرانسو هولاند ووزراء الدفاع الآخرين من أجل تقديم توضيحات أكثر حول عمليج “سيرلي”.
ومن جهة أخرى قام موقع “ديسكلوز” في بلاغ نشره بعد هذا التحقيق بتصريح أن الدافع الكامن وراء نشر هذه المعلومات إلى النور القانوني هو حقيقة أن تمويل هذه العمليات يأتي من ميزانية وزارة الدفاع، مما يعني ضرورة الكشف عن كافة المعلومات المتاحة حول عملية “سيرلي” للنواب البرلمانيين بصفتهم ممثلين للشعب الفرنسي. ويُنتظر أن يكشف الموقع عن معلومات ووثائق أخرى في الأيام المقبلة. وفي الناحية الأخرى لم تعلق مصر بشكل رسمي حتى الآن على ما نشرته وسائل الإعلام الفرنسية، بل اكتفت بإضافتها لموقع “ديسكلوز” إلى قائمة المواقع المحظور دخولها عبر الإنترنت داخل مصر