في مشهد يعكس عمق الأزمة المالية التي يعيشها الاقتصاد المصري تحت حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، أعلن البنك المركزي، الأحد، أنه باع نيابةً عن وزارة المالية أذون خزانة بقيمة 83 مليار جنيه لأجل 3 و9 أشهر، متجاوزًا المستهدف البالغ 60 مليار جنيه بنسبة تجاوزت 38%، في محاولة لسد العجز المتفاقم في الموازنة العامة للدولة.

قروض قصيرة الأجل لتغطية نزيف الموازنة
تُظهر بيانات البنك المركزي أن الحكومة لجأت إلى هذا الطرح لتأمين احتياجاتها التمويلية العاجلة، في ظل عجز سيولة متزايد وارتفاع تكاليف خدمة الدين العام. ووفق النتائج، تراجع متوسط العائد على أذون الخزانة لأجل 3 أشهر إلى 26.76% مقارنة بـ26.86% في الطرح السابق، كما انخفض العائد على أذون 9 أشهر إلى 26.17% مقابل 26.19% في الطرح السابق.
ويرى خبراء الاقتصاد أن هذا التراجع الطفيف في العائد لا يعكس تحسنًا حقيقيًا في أوضاع السوق، بل نتيجة لسياسة “تدوير الديون” التي تعتمدها الحكومة منذ سنوات، إذ تُقرض نفسها من البنوك المحلية بفوائد مرتفعة، ثم تسدد القروض القديمة بأخرى جديدة، دون أي إنتاج فعلي يرفع الإيرادات أو يحسن المؤشرات الاقتصادية.
عجز يتفاقم وديون تلتهم الميزانية
وبحسب بيانات وزارة المالية، تضاعف العجز الكلي في موازنة 2024-2025 إلى 1.26 تريليون جنيه، مدفوعًا بالقفزات المهولة في فوائد الديون، التي التهمت معظم الإيرادات العامة.
وقد بلغت إيرادات الدولة في الموازنة الماضية 2.63 تريليون جنيه، منها 2.2 تريليون جنيه ضرائب، في حين وصلت المصروفات إلى 3.89 تريليون جنيه، ما يعني أن نحو ثلث الإنفاق العام يُموّل من الديون. ووفقًا لوزير المالية أحمد كجوك، بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نحو 4.5% فقط، وهو رقم ضعيف مقارنة بحجم الاقتراض والإنفاق الحكومي، ما يؤكد أن النمو المدفوع بالدَّين لا ينعكس على حياة المواطنين ولا يخلق فرص عمل حقيقية.
وتشير بيانات وزارة التخطيط إلى أن الديون الخارجية لمصر تجاوزت 156 مليار دولار في الربع الأول من العام الجاري، بينما تواصل الحكومة إصدار أدوات دين محلية لتغطية التزاماتها قصيرة الأجل، ما يفاقم عبء الفوائد ويزيد الضغط على الجنيه المصري.
إنفاق ضخم بلا إنتاج حقيقي
تُظهر بنود الموازنة العامة أوجه الإنفاق الواسعة في قطاعات الدعم والخدمات، لكنها تكشف أيضًا سوء توزيع الموارد وغياب الرؤية الإنتاجية. فقد خصصت الحكومة 440 مليار جنيه لمشكلات الطاقة وسداد مستحقات الشركاء الأجانب في قطاع البترول، و642 مليار جنيه للدعم والحماية الاجتماعية، بينها 165 مليار جنيه لدعم السلع التموينية و43 مليارًا لبرامج “تكافل وكرامة”.
كما تم تخصيص 142 مليار جنيه لصناديق المعاشات و18 مليارًا لدعم الصادرات. ورغم ضخامة هذه الأرقام، فإن المواطن المصري لا يلمس أثرها في حياته اليومية، مع استمرار ارتفاع الأسعار وتآكل القوة الشرائية وتراجع قيمة الجنيه.
ويرى محللون أن هذه الأرقام تكشف أن الحكومة باتت أسيرة دوامة الاقتراض والإنفاق الجاري، دون أي توجه فعلي لتحفيز الإنتاج أو الاستثمار في قطاعات استراتيجية قادرة على توليد عملة صعبة. فحتى مشاريع البنية التحتية الكبرى التي يروج لها السيسي — مثل العاصمة الإدارية والطرق والجسور — لم تجلب استثمارات إنتاجية حقيقية، بل زادت من أعباء الديون وفوائدها.
السيسي وسياسة الاقتراض بلا سقف
منذ تولي عبد الفتاح السيسي السلطة في 2014، شهدت مصر أكبر توسع في الاقتراض في تاريخها الحديث. إذ ارتفع الدين العام المحلي والخارجي بنحو أربعة أضعاف خلال عشر سنوات، في ظل غياب الشفافية عن أوجه إنفاق هذه الأموال.
ويصف اقتصاديون سياسة السيسي بأنها قائمة على “التمويل بالعجز”، أي إدارة الدولة عبر القروض، مع تجاهل الإصلاح الهيكلي الحقيقي للإنتاج المحلي والصناعة والزراعة.
وفي ظل تراجع الاستثمار الأجنبي وهروب الأموال الساخنة بعد تعويم الجنيه، أصبح التمويل الداخلي عبر البنوك هو المصدر الأساسي للحكومة، ما أدى إلى مزاحمة القطاع الخاص وحرمانه من التمويل اللازم للنمو، وهو ما يعرف اقتصاديًا بـ”أثر المزاحمة”.
دوامة العجز والتضخم
تعتمد الحكومة المصرية على البنك المركزي في إدارة طروحات أذون وسندات الخزانة، بحيث تُستخدم الحصيلة لتمويل نفقات الدولة الجارية، وخاصة الرواتب والدعم وخدمة الدين. لكن هذا النمط يؤدي إلى تضخم هيكلي، لأن طباعة النقود أو الاقتراض المفرط لتمويل العجز يزيد الكتلة النقدية دون مقابل إنتاجي، فينعكس مباشرة في أسعار السلع والخدمات.
ومع غياب الإصلاح الضريبي العادل، تتركز الإيرادات في الضرائب غير المباشرة مثل القيمة المضافة ورسوم الخدمات، ما يرهق الفئات الفقيرة والمتوسطة التي باتت تتحمل كلفة فشل السياسات الاقتصادية.
ختامًا: اقتصاد ينهار ببطء
تُعد خطوة بيع أذون خزانة بقيمة 83 مليار جنيه مجرد حلقة جديدة في سلسلة الاقتراض غير المنتهي الذي أصبح العمود الفقري لسياسة السيسي المالية. فبدلًا من بناء اقتصاد إنتاجي قائم على التصنيع والزراعة والتصدير، تعتمد الدولة على القروض لتغطية العجز، ثم تعود لتقترض مجددًا لسداد فوائد هذه القروض.
وبينما تتحدث الحكومة عن “الاستقرار النقدي” و”خفض العجز تدريجيًا”، يعيش المواطن المصري أسوأ أزمة معيشية منذ عقود، مع انهيار الجنيه وارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل.
إن ما يحدث اليوم ليس إدارة مالية رشيدة، بل انحدار متسارع نحو الإفلاس الاقتصادي، عنوانه الواضح: ديون بلا إنتاج.. وسلطة بلا محاسبة.
اقرأ أيضًا : “فاسد وقاتل”.. افتتاح المتحف المصري الكبير بين عظمة التاريخ وابتذال الحاضر