أثار مقطع مصوّر للسيناتور الأمريكي الجمهوري ليندسي غراهام موجة غضب واسعة، بعد ظهوره خلال مؤتمر صحفي عُقد في الأراضي الفلسطينية المحتلة وهو يصرّح بوضوح: “هذه حرب دينية بيننا، وسنرى من ينتصر”. لم يكن التصريح زلة لسان عابرة، بل تعبيرًا فجًا عن رؤية أيديولوجية ترى في حرب الإبادة على غزة صراعًا وجوديًا مقدسًا، لا حربًا سياسية أو عسكرية تخضع للقانون الدولي.

هذا الخطاب، الصادر عن مشرّع أمريكي بارز، لا يكتفي بتبرير الجرائم المرتكبة بحق المدنيين الفلسطينيين، بل يضفي عليها بعدًا دينيًا خطيرًا، يعيد إنتاج منطق الحروب الصليبية بلغة القرن الحادي والعشرين، ويحوّل الاحتلال من مشروع استيطاني عنصري إلى “معركة إيمان” مفتوحة بلا حدود أخلاقية.

دعم مطلق للاحتلال وتغطية سياسية للإبادة

لا يمكن فصل تصريحات غراهام عن سجله الطويل في دعم دولة الاحتلال الإسرائيلي. فالسيناتور يُعد من أكثر الأصوات تشددًا داخل الكونغرس الأمريكي، وقد عارض مرارًا أي محاولة لمحاسبة الاحتلال أو الضغط عليه. كان من أبرز المعارضين لقرار مجلس الأمن رقم 2334 الذي يقرّ بعدم شرعية المستوطنات، وساند بقوة نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، في خطوة مثّلت ضربة صريحة للقانون الدولي وحقوق الفلسطينيين.

كما دعم ما يُعرف بـ“قانون تايلور فورس”، الذي يستخدم المساعدات المالية أداة ابتزاز سياسي بحق الفلسطينيين، في محاولة لتجفيف أي دعم اجتماعي أو سياسي للمقاومة. وفي كل هذه المواقف، لم يكن غراهام مجرد داعم سياسي، بل شريكًا في توفير الغطاء القانوني والأخلاقي لسياسات القتل والتهجير والحصار.

من العراق إلى غزة: عقيدة الحرب الدائمة

تصريحات غراهام حول غزة تنسجم تمامًا مع عقيدته السياسية القديمة، القائمة على فكرة “محاربتهم هناك قبل أن يأتوا إلينا”. بهذه الذريعة، دعم الحروب الأمريكية في العراق وأفغانستان، وساند التدخلات العسكرية التي خلّفت ملايين الضحايا، ودمّرت دولًا كاملة، دون أن يُسأل يومًا عن الكلفة الإنسانية أو القانونية.

اليوم، يعيد غراهام إنتاج الخطاب نفسه، لكن هذه المرة بلبوس ديني صريح. فحين تُوصَف الإبادة في غزة بأنها “حرب دينية”، يصبح قتل الأطفال وتجويع المدنيين وتدمير المستشفيات أفعالًا مبرَّرة ضمن منطق “الانتصار”، لا جرائم تستوجب المحاسبة. وهنا تتجلى خطورة الخطاب، لأنه لا يكتفي بتأييد الجريمة، بل يشرعنها أيديولوجيًا.

إبادة جماعية تحت السمع والبصر

منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، ارتكبت دولة الاحتلال حرب إبادة شاملة في قطاع غزة، شملت القتل الجماعي، والتجويع الممنهج، والتدمير الواسع للبنية التحتية، والتهجير القسري، والاعتقالات الجماعية. أعداد الضحايا تجاوزت مئات الآلاف بين شهيد وجريح ومفقود، معظمهم من الأطفال والنساء، فيما حُوّل القطاع إلى منطقة منكوبة تعاني مجاعة وانهيارًا صحيًا وإنسانيًا غير مسبوق.

ورغم النداءات الدولية، وأوامر محكمة العدل الدولية بوقف هذه الجرائم، استمرت آلة القتل، مدعومة سياسيًا وعسكريًا من واشنطن، وبخطاب تحريضي من مشرّعين أمثال غراهام، الذين يرون في الإبادة “ضرورة استراتيجية” و”معركة هوية”.

عقوبات وتجويع: سلاح آخر في يد السيناتور

لم يقتصر إجرام غراهام على دعم الإبادة في غزة، بل امتد إلى التلويح بإعادة فرض عقوبات “قانون قيصر” على سوريا بصيغة “أكثر قسوة”، في حال واصلت قوات الجيش السوري تقدمها في الشمال. هذه العقوبات، التي أثبتت التجارب أنها تستهدف الشعوب لا الأنظمة، تُستخدم كسلاح اقتصادي لتجويع المدنيين، وفرض إرادة سياسية بالقوة.

هكذا تتكامل أدوات غراهام: قصف هنا، حصار هناك، وعقوبات في مكان آخر. منظومة متكاملة من العنف، ترى في معاناة الشعوب “أضرارًا جانبية” مقبولة في سبيل تحقيق الهيمنة.

حين يصبح التحريض سياسة رسمية

تصريحات السيناتور الأمريكي ليست مجرد رأي شخصي، بل تعكس اتجاهًا متجذرًا داخل المؤسسة السياسية الأمريكية، حيث يتحول التحريض الديني والعنصري إلى أداة تعبئة، وتُختزل القيم الديمقراطية في خطاب انتقائي يخدم الحلفاء فقط. وفي هذا السياق، يصبح غراهام نموذجًا لسياسي يرى في نفسه وصيًا على العالم، يحدّد من يستحق الحياة ومن يجوز قتله.

إن وصف حرب الإبادة بأنها “حرب دينية” ليس فقط جريمة أخلاقية، بل دعوة مفتوحة لمزيد من الدماء، ورسالة واضحة بأن القانون الدولي وحقوق الإنسان يمكن دهسها عندما تتعارض مع مصالح القوة. وفي عالم يُفترض أنه تعلّم من مآسي القرن الماضي، يعيد أمثال ليندسي غراهام إنتاج أسوأ فصوله، لكن بوقاحة أكبر وصوت أعلى.

اقرأ أيضًا : تصدع “التحالف” وانكشاف المخطط: الإمارات تحت المقصلة السعودية بتهم السجون السرية وتمزيق الدولة اليمنية