في مشهد أثار جدلاً واسعًا داخل المملكة المتحدة وخارجها، أقدمت الشرطة البريطانية، السبت، على اعتقال أكثر من 20 شخصًا من المشاركين في تظاهرة نظّمتها “حركة العمل من أجل فلسطين” (Palestine Action)، والتي حظرتها الحكومة البريطانية الأسبوع الماضي بموجب قانون مكافحة الإرهاب.

جاء ذلك بعد ساعات فقط من دخول قرار الحظر حيز التنفيذ منتصف ليل الجمعة، ما اعتُبر مؤشرًا على سرعة تطبيق القرار بحق نشطاء مناهضين لدعم بريطانيا لإسرائيل، في وقت تتصاعد فيه الانتقادات الحقوقية والسياسية للخطوة.

 

حظر “حركة العمل من أجل فلسطين”: تصفية سياسية أم ضرورة أمنية؟

جاء قرار الحكومة البريطانية بحظر “حركة العمل من أجل فلسطين” ضمن قوانين مكافحة الإرهاب، عقب سلسلة من التحركات الاحتجاجية التي قامت بها الحركة في الأشهر الأخيرة، أبرزها اقتحام قاعدة عسكرية تابعة لسلاح الجو البريطاني ورش طائرات حربية بالطلاء الأحمر، في رسالة رمزية اعتبرت أن هذه الطائرات تشارك بطريقة غير مباشرة في الإبادة الجماعية في غزة عبر الدعم البريطاني لإسرائيل.

الخطوة قوبلت بتأييد من الأوساط السياسية اليمينية، باعتبارها رادعًا للعنف والتخريب، بينما عدّها حقوقيون ونشطاء بمثابة ضربة خطيرة لحرية التعبير، وتضييقًا على الحركات المناصرة للفلسطينيين في المملكة المتحدة. منظمة “ليبرتي” للحريات المدنية، وعدد من خبراء الأمم المتحدة، عبّروا عن قلقهم من استخدام قوانين الإرهاب لمعاقبة محتجين يقومون بأعمال مدنية احتجاجية لا ترقى، بحسب وصفهم، إلى مستوى التهديد الأمني الحقيقي.

وبموجب القوانين البريطانية، فإن دعم منظمة محظورة أو رفع شعاراتها أو حتى مجرد التعبير عن تأييدها العلني قد يُعرض الشخص لعقوبة تصل إلى السجن 14 عامًا أو غرامات مالية باهظة، وهي بنود يرى كثيرون أنها صُممت لمحاربة جماعات عنيفة لا لمواجهة حركات احتجاجية سلمية تُعبّر عن مواقف سياسية واضحة ضد الاحتلال والاستعمار.

اعتقالات في ساحة البرلمان: مناهضة للإبادة أم دعم للإرهاب؟

تجمّع المتظاهرون في ساحة البرلمان وسط لندن، في مشهد رمزي يعكس تعارضًا واضحًا بين سياسات الحكومة ومطالب قطاعات من الشارع البريطاني. رفع بعضهم لافتات كتب عليها: “أنا أعارض الإبادة الجماعية. أنا أدعم حركة العمل من أجل فلسطين”، في تحدٍّ واضح لقرار الحظر. إلا أن الرد كان قاسيًا؛ إذ نفّذت الشرطة حملة اعتقالات واسعة بحق 20 متظاهرًا على الأقل، بدعوى انتهاكهم قانون الإرهاب الجديد.

المفارقة أن هذه الاعتقالات لم تأتِ بعد أعمال عنف أو تخريب، بل بعد تظاهرة سلمية عبّر فيها المحتجون عن موقف سياسي مناصر للفلسطينيين. وهو ما دعا العديد من المنظمات الحقوقية للتحذير من “تسييس قانون مكافحة الإرهاب”، واستخدامه كأداة لقمع المعارضة السياسية للسياسات الغربية تجاه إسرائيل، خاصة في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة وما يُوصف بجرائم الإبادة الجماعية التي ترتكب بحق المدنيين هناك.

وتُعتبر حركة “العمل من أجل فلسطين” من أكثر الحركات البريطانية نشاطًا واحتكاكًا بالمؤسسات المرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي، حيث نفّذت العشرات من الحملات المباشرة التي استهدفت شركات تصنيع السلاح، مثل “إلبيت سيستمز” (Elbit Systems)، المتهمة بتوريد تقنيات وأسلحة تُستخدم ضد الفلسطينيين.

قمع التعبير أم حماية لمصالح الاحتلال؟

تطرح هذه التطورات أسئلة حرجة حول مستقبل حرية التعبير في المملكة المتحدة، في ظل تصاعد التشريعات التي تُضيّق الخناق على الأصوات المناهضة للسياسات الغربية في الشرق الأوسط، خاصة تلك الداعمة للقضية الفلسطينية. ففي الوقت الذي تبرر فيه الحكومة إجراءاتها بضرورات الأمن القومي، يرى كثيرون أن جوهر المسألة يتعلق بالدعم غير المشروط الذي تقدمه لندن لإسرائيل، سواء دبلوماسيًا أو عسكريًا أو اقتصاديًا.

ولعل ما يعزز هذه الفرضية هو التوقيت السياسي الحساس الذي جاءت فيه الاعتقالات، إذ تزامنت مع استمرار الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة، وازدياد الضغوط الدولية على الحكومات الغربية لوقف دعمها لتلك العمليات. ومع تصاعد الغضب الشعبي في بريطانيا، خاصة بين أوساط الشباب والطلبة ونقابات العمال، تبدو خطوات الحكومة أقرب إلى محاولة احتواء الأصوات المنتقدة بأي وسيلة ممكنة، حتى وإن كان ذلك عبر استخدام تهم الإرهاب ضد من يرفعون لافتات مناهضة للإبادة الجماعية.

في النهاية، يبدو أن ما جرى في لندن ليس مجرد تطبيق لقانون جديد، بل جزء من مشهد أوسع يعكس اختلالًا في ميزان الحريات داخل الديمقراطيات الغربية، حين يتعلّق الأمر بفلسطين. وفي الوقت الذي تُترك فيه منظمات يهودية متطرفة تعبّر عن دعمها لحرب الاحتلال دون مساس، يُعتقل النشطاء المؤيدون لحقوق الإنسان وحرية الشعوب من على قارعة الطريق.

اقرأ أيضًا : “تجارة الموت”.. شركات كبرى في قفص الاتهام الأممي بدعم الإبادة الجماعية في غزة