في مشهد رمزي لافت، ارتدى الرئيس السوري أحمد الشرع، الزي العسكري ذاته الذي ظهر به يوم دخول قواته إلى دمشق قبل عام، معلنًا نهاية أكثر من نصف قرن من حكم عائلة الأسد، وبدء مرحلة سياسية جديدة تعيشها البلاد لأول مرة منذ عام 1970.
وشارك الشرع في صلاة الفجر بالمسجد الأموي في العاصمة دمشق، حيث أمَّ المصلين قبل أن يصعد إلى المنبر لإلقاء خطاب قصير أكد فيه أن “لحظة سقوط النظام السابق كانت لحظة تحرر وبداية عهد جديد يستعيد فيه السوريون كرامتهم وسيادتهم”.
هذا الظهور، الذي يحمل رسائل سياسية وعسكرية متداخلة، جاء بالتزامن مع احتفالات واسعة في جميع المحافظات السورية بذكرى سقوط نظام بشار الأسد، بعد أن قررت الحكومة اعتماد يوم 8 كانون الأول/ ديسمبر عطلة رسمية سنوية تحت اسم “يوم التحرير”.
رمزية الزي العسكري ورسائل الثقة
اختار الشرع الزي العسكري تحديدًا، وهو الزي نفسه الذي ظهر به لحظة تحرير دمشق، في رسالة واضحة تعيد ربط شرعيته السياسية بالإنجاز العسكري الذي أنهى الحكم السابق.
هذا الظهور جاء ليؤكد — وفق مراقبين — أن القيادة الجديدة ما زالت تعتبر أن مرحلة تثبيت أركان الدولة لم تنته تمامًا، وأن رمزية المؤسسة العسكرية ستبقى جزءًا محوريًا من هوية النظام الجديد، لا سيما بعد سنوات طويلة من انهيار الثقة بين الشعب والجيش في عهد الأسد.
كما يعكس الظهور العسكري رغبة الشرع في تثبيت صورة “الرئيس القائد” الذي جاء بعد صراع طويل، ويرتبط مستقبله السياسي بالقدرة على إعادة بناء دولة مزقتها الحرب والانقسام.
خطاب يعيد صياغة العلاقة بين السلطة والشعب
في خطابه القصير، بدا الشرع حريصًا على تقديم نفسه كرئيس يستمد شرعيته من الناس، لا من الأجهزة الأمنية أو حزب واحد كما كان الحال في عهد الأسد. وقد استشهد بجملة تحمل دلالات عميقة:
“أيها السوريون أطيعوني ما أطعت الله فيكم”، وهي عبارة ترتبط تاريخيًا بنماذج الحكم الراشد، وتعكس نية في إعادة تشكيل العلاقة بين الحاكم والمحكوم على أساس من المسؤولية المشتركة.
كما وصف الشرع اللحظة التي اندحر فيها النظام السابق بأنها لحظة “انتهاء الظلم”، في إشارة واضحة إلى إرث القمع والدمار الذي ارتبط بحكم الأسد، والذي أورث البلاد واحدة من أعنف الحروب في تاريخها الحديث.
ولم يغفل الشرع الإشادة بتضحيات المقاتلين الذين شاركوا في تحرير دمشق، معتبرًا أن “صون هذا النصر والبناء عليه يشكل اليوم الواجب الأكبر الملقى على عاتق السوريين جميعًا”.
دعوة للوحدة الوطنية واستعادة الدولة
الخطاب حمل رسائل سياسية مباشرة، مفادها أن المرحلة المقبلة لن تقوم إلا بـ”توحيد جهود أبناء الوطن كافة” كما قال الشرع، في إشارة إلى الأطراف والفصائل التي شاركت في الصراع، وإلى الحاجة إلى إعادة دمج مؤسسات الدولة بعد سنوات من التفكك.
ويرى مراقبون أن الشرع يحاول من خلال هذه الدعوة:
- إعادة صياغة الجبهة الداخلية بعد عام من انتهاء الحكم السابق.
- تهيئة الأرضية للدستور الجديد الذي يجري التحضير له منذ أشهر.
- تعزيز الثقة في مؤسسات الدولة، وخاصة الأمنية والعسكرية، بعد إعادة هيكلتها.
- توجيه رسالة للمجتمع الدولي بأن سوريا تستقر تدريجيًا وتستعيد سيادتها.
هذا التركيز المتكرر على “التوحيد والاستقرار والسيادة” يعكس إدراك الشرع للتحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي تواجهها البلاد، ولحقيقة أن النصر العسكري لا يكفي وحده لضمان انتقال سياسي ناجح.
عام على السقوط: من الانهيار إلى إعادة البناء
قبل عام تمامًا، وتحديدًا في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، غادر بشار الأسد دمشق بشكل مفاجئ، تاركًا نظامه ينهار خلال ساعات بعد هزائم عسكرية متتالية وخسارة السيطرة على العاصمة. ومنذ ذلك الحين، دخلت سوريا مرحلة جديدة تتسم بمحاولات حثيثة لإعادة تشكيل السلطة وإطلاق عملية إعادة إعمار واسعة.
وتشير التقارير الرسمية إلى أن البلاد تمر حاليًا بمرحلة انتقالية شديدة الحساسية، تتضمن:
- إعادة هيكلة الجيش والأجهزة الأمنية.
- إطلاق برامج لجبر الضرر والمصالحة المجتمعية في المحافظات المتضررة.
- مشاريع لإعادة إعمار البنية التحتية الأساسية.
- خطط اقتصادية لإنعاش القطاعات المعطلة.
وبينما تؤكد الحكومة أنها استعادت السيطرة على معظم الأراضي السورية، ما تزال بعض المناطق تعاني من هشاشة أمنية أو تحديات خدمية عميقة.
احتفالات “يوم التحرير” وترسيخ الذاكرة الوطنية
اعتماد الحكومة ليوم سقوط نظام الأسد عطلة رسمية تحت اسم “يوم التحرير”، يعكس رغبة في ترسيخ هذا الحدث كعلامة فارقة في الذاكرة الوطنية السورية.
وشهدت المحافظات فعاليات رسمية وشعبية، بينها عروض عسكرية واحتفالات جماهيرية ومسيرات رمزية، بالإضافة إلى خطب دينية ومراسم رسمية شارك فيها مسؤولون محليون.
ويرى محللون أن ترسيخ هذا التاريخ في الوعي العام يشكّل جزءًا من استراتيجية بناء سردية وطنية جديدة، قوامها “القطيعة الكاملة” مع حقبة الأسد، والانتقال نحو دولة جديدة قائمة على المشاركة الشعبية والعدالة وإعادة الإعمار.
ختام
الظهور العسكري للرئيس أحمد الشرع في المسجد الأموي، وإلقاؤه خطابًا في ذكرى سقوط الأسد، لا يمكن النظر إليه كمراسم بروتوكولية فحسب، بل كحدث سياسي يعيد تثبيت رمزية لحظة التحرير، ويرسم ملامح المرحلة المقبلة.
فبين الزي العسكري، ومنبر الأموي، وذكرى السقوط… بدا الشرع وكأنه يوجّه رسائل داخلية وخارجية بأن سوريا تدخل عامها الثاني بعد التحرير بثقة أكبر، وبعزيمة على إعادة الإعمار وترسيخ دولة جديدة لا تشبه ما قبلها.
اقرأ أيضًا : إجرام الاحتلال يتكشف مجددا.. غزة تنتشل جثامين شهداء دُفنوا عشوائيا تحت النار وتنقلهم لمقابر رسمية
