في مشهد يعيد إلى الأذهان البدايات الأولى لثورة يناير 2011، اشتعلت مدينة بلقاس بمحافظة الدقهلية، مساء السبت، بتظاهرات غاضبة إثر وفاة الشاب أيمن صبري (21 عامًا) داخل مركز شرطة بلقاس، بعد أقل من أسبوع على توقيفه. وبينما تؤكد السلطات المصرية رواية “الوفاة المفاجئة”، فإن روايات الشهود وأهالي الضحية تؤكد وجود تعذيب وحشي أفضى إلى مقتله، ما أطلق هتافات مناهضة للنظام كان أبرزها: “الشعب يريد إسقاط النظام”.
أيمن، الطالب في كلية الآداب قسم مساحة بجامعة المنصورة، لم يكن ناشطًا سياسيًا ولا معارضًا للنظام، وإنما شاب عادي أُلقي القبض عليه بتهم جنائية وفق رواية الداخلية. لكن ما جرى بعد توقيفه فتح أبواب الغضب الشعبي، إذ ظهرت آثار تعذيب شديدة على جسده، وفقًا لروايات متطابقة من أفراد أسرته وشهود عيان، تضمنت “كدمات زرقاء في الوجه والفم، وتهتك في الرأس تطلّب 14 غرزة”، بالإضافة إلى آثار صعق بالكهرباء، وهو ما يعيد إلى الأذهان تقنيات التعذيب المنهجية المعروفة في مراكز الاحتجاز المصرية.
ووفق ما تداوله مدونون على منصات التواصل، فقد تُرك أيمن لأربع ساعات بعد وفاته دون محاولة إسعافه، بل وسط سخرية صادمة من عناصر الأمن تجاه والدته، التي أبلغوها بنقله إلى المستشفى وهو في غيبوبة، ليتضح لاحقًا أنها كانت تواجه جثة ابنها في ثلاجة الموتى.

قمع مستمر.. ودوامة الموت في أقسام الشرطة
حادثة وفاة أيمن ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة على ما يبدو في ظل السياسة الأمنية التي يتبعها نظام عبد الفتاح السيسي منذ انقلاب 2013. فمنذ استيلائه على السلطة، اتّسع نطاق الانتهاكات الجسيمة داخل السجون ومراكز الاحتجاز، وسط توثيق متكرر لحالات تعذيب، ووفاة معتقلين بسبب الإهمال الطبي، أو المعاملة القاسية واللاإنسانية.
وتشير منظمات حقوقية، مثل “هيومن رايتس ووتش” و”المفوضية المصرية للحقوق والحريات”، إلى أن نظام السيسي يدير ما يشبه شبكة من مراكز التعذيب المنتشرة في أنحاء البلاد، وأن الضحايا لا يقتصرون على المعارضين السياسيين، بل يشملون المحتجزين الجنائيين والناشطين الاجتماعيين، وأحيانًا حتى مواطنين عاديين تصادف وجودهم في المكان الخطأ.
ورغم تكرار هذه الحوادث، فإن الأجهزة الأمنية تستمر في التهرب من المسؤولية عبر روايات مكررة ومعلبة، كما حدث في بيان وزارة الداخلية المصرية، التي قالت إن أيمن “شعر بإعياء مفاجئ”، وأنه نُقل إلى المستشفى لكنه توفي هناك، مضيفة أن اثنين من زملائه في الزنزانة لم يتهما أحدًا، وكأن هذا البيان وحده كافٍ لإغلاق ملف الجريمة.
لكن ما يثير القلق أكثر هو محاولة السلطات تطبيع التعذيب باعتباره أمرا عاديا، خاصة حين يتعلق بشخص لا صفة سياسية له، ما يؤكد أن وحشية الأجهزة الأمنية باتت غير مرتبطة بأي انتماء، بل تستند إلى منطق القوة والإفلات التام من العقاب.
تظاهرات في بلقاس.. شرارة احتجاج تتحدى القبضة الحديدية
رغم القبضة الأمنية المشددة التي أحكم بها نظام السيسي البلاد منذ سنوات، فإن وفاة أيمن فجّرت الغضب في مدينة بلقاس، حيث خرج العشرات من الشباب يهتفون بسقوط النظام. مشاهد الهتاف بـ”الشعب يريد إسقاط النظام” أعادت إلى الذاكرة الحراك الشعبي الذي اندلع في شوارع مصر عقب مقتل الشاب خالد سعيد في الإسكندرية عام 2010، وهي الجريمة التي تحولت إلى رمز لانطلاق ثورة 25 يناير.
ورغم محاولات الأمن قمع المظاهرات، وإطلاق الرصاص في الهواء لتفريق المحتجين، فإن الحدث كسر حاجز الصمت الذي حاول النظام فرضه لعقد كامل، وهو ما اعتبره نشطاء وحقوقيون “إشارة خطيرة” إلى أن القمع لم يعد كافيًا لضمان الاستقرار، وأن الممارسات الوحشية في مراكز الشرطة قد تؤدي إلى انفجار اجتماعي في أية لحظة.
وكتب أحد المدونين أن “خروج مظاهرات في مدينة صغيرة مثل بلقاس بعد حادثة تعذيب جنائي وليست سياسية، يدل على احتقان شديد في الشارع المصري، لا يمكن تجاهله”.
كما لفت آخرون إلى أن صفة أيمن كـ”ابن وحيد” لوالدته، وعدم وجود انتماء سياسي له، قد تكون سببا في تعاطف واسع، لأن الجريمة تمسّ وجدان شريحة واسعة من المجتمع.
هل يتصدّع جدار الخوف؟
السؤال المطروح اليوم هو: هل كسر المصريون حاجز الخوف من جديد؟ وهل تتحول قضية أيمن صبري إلى حراك أوسع؟ في ظل الغلاء المستفحل، وتدهور الخدمات، وقمع الحريات، يبدو أن الغضب في مصر لم يعد بحاجة إلى شعارات سياسية معقدة، بل يكفيه مشهد أم تنادي على جثة ابنها في ثلاجة موتى لتعيد إشعال الشرارة.
التحركات الأخيرة، وإن بدت محدودة، تعني أن النسيج الاجتماعي في مصر ما زال حيًا، وأن آلة القمع التي يفاخر بها نظام السيسي ليست ضمانة للبقاء إلى الأبد.
وفي بلد تتراكم فيه مظالم الفقر والقهر والتعذيب، فإن جثة أيمن صبري قد تكون أول طَرقات الغضب على جدران الصمت.
اقرأ أيضًا : اعتقال معتمر مصري رفع علم فلسطين بالحرم المكي.. قمع سعودي لصوت غزة حتى بجوار الكعبة