في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد الحديث عن تحركات إسرائيلية في منطقة القرن الأفريقي، خرج وزير الإعلام والثقافة والسياحة الصومالي، ود أويس جامع، بموقف واضح وحازم، يؤكد فيه أن بلاده لن تسمح بأي حال باستخدام أراضيها لتهديد دول الجوار أو تحويلها إلى ساحة صراع تخدم أجندات خارجية.
وجاءت تصريحاته خلال لقاء مع قناة الجزيرة على هامش منتدى الجزيرة السابع عشر في الدوحة، لتعبّر عن رؤية رسمية تعتبر ما يجري انتهاكًا صارخًا لسيادة الدولة الصومالية وأمنها الوطني.

موقف صومالي حازم في لحظة إقليمية حساسة
أكد الوزير الصومالي أن بلاده عبّرت مرارًا عن رفضها القاطع لأي تدخل إسرائيلي في شؤونها، مشيرًا إلى أن هذه التحركات تأتي في توقيت بالغ الحساسية، حيث يخوض الصومال حربًا مفتوحة ضد التنظيمات الإرهابية، وفي مقدمتها حركة الشباب.
ويرى مراقبون أن توقيت هذه التحركات يعكس محاولة لاستغلال حالة الانشغال الأمني الداخلي، بهدف فرض وقائع جديدة على الأرض. فالصومال، الذي يسعى منذ سنوات لاستعادة استقراره، لا يحتمل فتح جبهات إضافية قد تعيد البلاد إلى دوامة الفوضى.
كما شدد جامع على أن المساس بسيادة الصومال لا ينعكس فقط على الداخل، بل يمتد أثره إلى أمن القرن الأفريقي والبحر الأحمر والشرق الأوسط، في منطقة تعاني أصلًا من هشاشة أمنية وتنافس دولي محتدم.
أجندة القواعد العسكرية ومخاطر عسكرة الإقليم
في حديثه عن طبيعة التحركات الإسرائيلية، أشار وزير الإعلام إلى تقارير تتحدث عن نوايا لإنشاء قاعدة عسكرية في إقليم أرض الصومال، شمال البلاد، بهدف استخدامها في عمليات إقليمية ضد أطراف أخرى.
ويعتبر هذا التوجه، بحسب المسؤول الصومالي، خطرًا مباشرًا على أمن المدنيين، وعلى الاستقرار الهش في الإقليم. فالقواعد العسكرية الأجنبية غالبًا ما تتحول إلى بؤر توتر، وتجذب الهجمات والاضطرابات، وهو ما يهدد السكان المحليين ويفاقم الأزمات الإنسانية.
ويرى محللون أن عسكرة القرن الأفريقي تمثل أحد أخطر التحديات الراهنة، في ظل تزايد الوجود العسكري الأجنبي وتنافس القوى الإقليمية والدولية على الموانئ والممرات البحرية، ما يحوّل المنطقة إلى ساحة صراع مفتوحة.
توطين الفلسطينيين والتوظيف السياسي للقضية
من أخطر ما أشار إليه الوزير جامع، حديثه عن تقارير تتعلق بمحاولات لتوطين فلسطينيين في مناطق شمال الصومال، ضمن تصورات سياسية مرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي.
واعتبر أن هذه الطروحات تمثل انتهاكًا صارخًا لحقوق الشعب الفلسطيني، ومحاولة لتصفية قضيته عبر حلول جغرافية بديلة، بعيدًا عن أرضه التاريخية. كما أكد أن الصومال يرفض أن يكون جزءًا من أي مخطط يستهدف تصفية الحقوق الفلسطينية أو توظيفها في صراعات إقليمية.
ويأتي هذا الموقف في سياق عربي وإسلامي أوسع يرفض مشاريع التهجير والتوطين القسري، ويعتبرها امتدادًا لسياسات الاحتلال في فرض الأمر الواقع.
الدبلوماسية الصومالية بين المواجهة والاحتواء
أوضح وزير الإعلام أن الحكومة الصومالية اختارت منذ البداية المسار الدبلوماسي، باعتباره الوسيلة الأنجع لحماية سيادتها دون الانجرار إلى مواجهات عسكرية أو تصعيد غير محسوب.
وقد نجحت مقديشو، بحسب تصريحاته، في نقل الملف إلى مجلس الأمن، وتحريكه داخل جامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، ومجموعة شرق أفريقيا، ومنظمة إيغاد، ما أسهم في حشد دعم سياسي وإقليمي لموقفها.
ويعكس هذا النهج سعي الصومال إلى ترسيخ صورته كدولة مسؤولة، تفضل الحلول القانونية والدبلوماسية، وتدرك مخاطر الانزلاق إلى صراعات بالوكالة تخدم أطرافًا خارجية.
الإرهاب واستغلال الفوضى الأمنية
حذّر جامع من أن أي اضطرابات ناتجة عن تدخلات خارجية قد تمنح الجماعات الإرهابية فرصة لإعادة تنظيم صفوفها، واستغلال حالة الغضب الشعبي والفراغ الأمني لتوسيع نفوذها.
وأكد أن الصومال وصل إلى مراحل متقدمة في معركته ضد الإرهاب، وأن فتح جبهة جديدة قد يبدد هذه المكاسب، ويعيد البلاد سنوات إلى الوراء. وهو ما يجعل الحفاظ على الاستقرار أولوية وطنية لا تقبل المساومة.
الإمارات والاحتلال: شبكة المصالح والتدخلات غير المباشرة
في سياق حديثه، أشار الوزير الصومالي إلى وجود تدخلات إقليمية تقف خلف التحركات الإسرائيلية، وعلى رأسها الإمارات، التي يرى مراقبون أنها تلعب دورًا متناميًا في القرن الأفريقي عبر الاستثمار في الموانئ، وبناء قواعد عسكرية، ودعم أطراف محلية خارج إطار الدولة المركزية.
ويُنظر إلى هذا الدور باعتباره جزءًا من شبكة مصالح أوسع، تسعى إلى إعادة رسم خرائط النفوذ في البحر الأحمر وشرق أفريقيا، حتى لو كان ذلك على حساب استقرار الدول الضعيفة والمؤسسات الهشة.
القضية الفلسطينية في صلب السياسة الصومالية
جدد وزير الإعلام التأكيد على موقف بلاده الثابت من القضية الفلسطينية، معتبرًا أن دعم حقوق الشعب الفلسطيني جزء لا يتجزأ من السياسة الخارجية الصومالية.
وشدد على أن هذه المرحلة تتطلب تحركًا دبلوماسيًا جماعيًا، لا صمتًا أو حيادًا سلبيًا، لحماية القانون الدولي ومنع انهيار منظومة القيم التي يفترض أن تحكم العلاقات بين الدول.
خاتمة: سيادة وطنية في مواجهة مشاريع الهيمنة
تعكس تصريحات وزير الإعلام الصومالي إدراكًا متزايدًا لخطورة المرحلة، ولحجم التحديات التي تواجه بلاده في محيط إقليمي مضطرب. فالصومال، الخارج تدريجيًا من عقود من الصراع، يدرك أن الحفاظ على سيادته هو شرط أساسي لبناء الدولة والاستقرار.
وفي مواجهة محاولات الاحتلال الإسرائيلي، وداعميه الإقليميين، لتوظيف الجغرافيا الصومالية في صراعاتهم، تبدو مقديشو مصممة على ترسيخ معادلة واضحة: لا قواعد أجنبية، لا توطين قسري، ولا تحويل البلاد إلى ساحة حرب بالوكالة، بل دولة مستقلة تسعى إلى السلام، وتدافع عن قضايا الأمة، وفي مقدمتها فلسطين.
اقرأ أيضًا : السودان ينزف من جديد: ميليشيا الدعم السريع تستهدف النازحين والإغاثة وتعمّق المأساة الإنساني