في الوقت الذي تنشغل فيه أنظار العالم بمجازر الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة، تتعرض الضفة الغربية المحتلة لهجمة غير مسبوقة من المستوطنين المتطرفين تحت غطاء رسمي من جيش الاحتلال.

هجمات طالت البشر والحجر، قرى سويت بالأرض، ومواطنون أُخرجوا من أراضيهم بالقوة. واللافت أن هذه الاعتداءات تسير بوتيرة متصاعدة، وسط صمت مطبق من السلطة الفلسطينية، التي تكتفي بالبيانات الشكلية، تاركة القرى تواجه مصيرها منفردة.

أذرع الإرهاب: المستوطنون يهاجمون تحت حماية الجيش

خلال الأيام الماضية، تحوّلت مناطق متعددة في الضفة الغربية، خاصة في الخليل، رام الله، وأريحا، إلى مسارح لهجمات دموية نفذتها مجموعات استيطانية مسلحة. قرى مثل “سوسيا” و”أم الخير” و”خلة الضبع” في مسافر يطا جنوب الخليل، كانت هدفًا واضحًا، حيث أصيب ثمانية فلسطينيين على الأقل نتيجة الضرب الوحشي على أيدي المستوطنين. وفي بلدة حزما شمال شرق القدس، سُجلت واحدة من أخطر الهجمات، حيث اقتحم أكثر من عشرة مستوطنين مسلحين البلدة، فتحوا النار على السكان، وأضرموا النيران في أحد المنازل، في مشهد أعاد للأذهان أيام الانتفاضات.

إجمالًا، تُظهر بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية أن 415 اعتداءً نفذه المستوطنون في مايو/أيار الماضي فقط، شملت الحرق، التخريب، إطلاق النار، وإغلاق الطرق. هذا الواقع المأساوي لا يحدث في فراغ، بل تحت مظلة الجيش الإسرائيلي الذي يقدم الغطاء الكامل للمستوطنين، ويحمي انسحابهم بعد تنفيذ هجماتهم، كما حصل في حزما، حيث تواجد الجنود على الشارع الرئيسي دون التدخل لوقف إطلاق النار على الأهالي.

تصعيد مبرمج: اعتقالات وعمليات موسعة ضد كوادر حماس

في موازاة التصعيد الاستيطاني، كثّف الاحتلال عملياته الأمنية، مستهدفًا البنية التحتية للمقاومة، وعلى رأسها حركة حماس. ففي محافظة الخليل، أعلن جهاز الشاباك عن “تفكيك شبكة واسعة” تابعة للحركة، تضم 10 خلايا، واعتقال أكثر من 60 ناشطًا، مع مصادرة أسلحة وذخائر. وبينما يقدم الاحتلال هذه العمليات باعتبارها نجاحًا أمنيًا، يرى فيها محللون ومصادر فلسطينية حملة قمع ممنهجة لكسر إرادة المقاومة في الضفة، خاصة في ظل فشل الاحتلال في غزة.

القيادي في حماس، محمود المرداوي، وصف حملة الاعتقالات بأنها “محاولة لكسر شوكة المقاومة”، مؤكدًا أن المستهدفين سبق أن تعرضوا لتعذيب شديد في سجون الاحتلال، ومع ذلك لم يتراجعوا عن دربهم. ويشير المرداوي إلى أن تصعيد المستوطنين والجيش يتطلب ردًا مقاومًا يتناسب مع حجم المجازر والانتهاكات اليومية، مؤكدًا أن المقاومة باقية كخيار استراتيجي، لا يمكن التنازل عنه أمام جرائم الاحتلال.

من غزة إلى الضفة: منظومة تطهير مدروسة

التزامن بين الحرب الدموية في غزة، والتصعيد الخطير في الضفة، يطرح تساؤلات حول نية الاحتلال توسيع نطاق الإبادة الجماعية لتشمل كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة. ففي ظل التهجير القسري والمجازر المتواصلة في القطاع، تتعرض الضفة لعمليات تهويد ميدانية عبر القوة، تشمل ترهيب السكان، تهجير رعاة الأغنام، إحراق المنازل، وإغلاق الطرق، مما يشير إلى مخطط شامل لفرض واقع جديد بالقوة المسلحة.

وبحسب معطيات رسمية فلسطينية، فإن عدد الشهداء في الضفة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول بلغ نحو 986 شهيدًا، إضافة إلى أكثر من 7000 مصاب، فضلاً عن آلاف المعتقلين. العمليات تتركز في مناطق ساخنة مثل جنين، طولكرم، الخليل، وقرى رام الله، حيث تُفرض حصارات خانقة، وتُفجّر منازل، ويُعتدى على المخيمات. وما يزيد الوضع خطورة هو دعم القيادة السياسية الإسرائيلية لهذه السياسات، حيث يصرّ بنيامين نتنياهو على إطلاق يد المستوطنين وجيشه، ضمن خطاب واضح يقوم على تصفية الوجود الفلسطيني تدريجيًا.

غياب السلطة.. صمت مريب ومواقف خجولة

وسط هذه الانتهاكات، تلتزم السلطة الفلسطينية صمتًا أقرب إلى التواطؤ منه إلى العجز. فرغم توثيق كل هذه الاعتداءات، لم تصدر عن القيادة الرسمية سوى إدانات عامة، دون اتخاذ أي خطوات لحماية المواطنين، أو دعم أشكال المقاومة الشعبية، أو حتى رفع قضايا جدية في المحافل الدولية. والنتيجة أن القرى تُترك فريسة بين سطوة المستوطنين وعنف الجيش، بينما تنشغل السلطة بإدارة التنسيق الأمني وملاحقة أي نشاط مقاوم مستقل في الضفة.

يرى مراقبون أن هذه الحالة تكرّس واقعًا بالغ الخطورة، إذ تغيب المرجعية السياسية الحقيقية للفلسطينيين، في ظل انهيار الرهان على المجتمع الدولي، مقابل تحالف إسرائيل العميق مع أطراف غربية تمنحها الحصانة من المحاسبة.

خاتمة: الضفة تنتظر الانفجار.. والعالم يتفرج

الضفة الغربية اليوم تقف على حافة الانفجار، فحجم الاعتداءات، وشدة القمع، وغياب الحماية الرسمية، كل ذلك ينذر بموجة جديدة من التصعيد الشعبي والمقاوم. ما يجري من إرهاب استيطاني ممنهج يرقى إلى جرائم تطهير عرقي، تُنفذ بتواطؤ دولي، وتحت بصر سلطة صامتة. ومع كل يوم يمر، تتعاظم مسؤولية الكل الفلسطيني في الداخل والخارج، لمواجهة هذا المسار الكارثي، وإعادة ترتيب أولويات المواجهة، وإحياء روح المقاومة، التي وحدها قادرة على كبح جماح المشروع الصهيوني

اقرأ أيضًا : كمين خانيونس.. القسام تنشر مشاهد لمحاولة أسر ضابط إسرائيلي وسط عمليات نوعية