في غضون أيام قليلة، اجتاحت مواقع التواصل حملة عالمية تحت وسم #قاطعوا_الإمارات، بعد تصاعد الاتهامات الموجهة إلى أبوظبي بدعم قوات الدعم السريع المسؤولة عن مجازر في السودان، ولا سيما في مدينة الفاشر التي تحولت إلى رمز للدمار والمعاناة.

المغردون والناشطون لم يكتفوا بالاحتجاج، بل دعوا إلى مقاطعة اقتصادية وثقافية شاملة تشمل شركات الطيران والمنتجات والعلامات التجارية الإماراتية، معتبرين أن ما يجري لم يعد “خلافاً سياسياً”، بل تواطؤ مباشر في حرب إبادة جماعية.

تحت الوسم نفسه، نشر سودانيون صوراً من الفاشر تصوّر مشاهد الدمار والضحايا، مرفقة بعبارات مثل “غزة جديدة تولد في دارفور برعاية خليجية”.

أما النشطاء العرب، فقد ربطوا بين الدور الإماراتي في اليمن وليبيا والسودان، مؤكدين أن “سياسة أبوظبي باتت تقوم على هندسة الفوضى وتغذية النزاعات تحت شعار مكافحة الإرهاب”.

من الميدان إلى الاستخبارات: أدلة تتكشف

تزامناً مع تصاعد الحملة، نشرت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية تقريراً استخباراتياً يؤكد أن الإمارات زوّدت قوات الدعم السريع بطائرات مسيرة صينية متطورة وأسلحة حديثة خلال الأشهر الماضية.

ووفقاً للتقرير، فإن وكالات استخبارات أمريكية، من بينها وكالة استخبارات الدفاع (DIA) ومكتب الاستخبارات في وزارة الخارجية الأمريكية، رصدت ارتفاعاً ملحوظاً في شحنات الأسلحة الإماراتية إلى السودان منذ الربيع الماضي، ما أثار غضباً داخل واشنطن التي كانت تحاول وقف تمدد الصراع.

التقارير أشارت إلى أن الشحنات تضمنت أنظمة توجيه وطائرات استطلاع من دون طيار، وأنها وصلت إلى مناطق خاضعة لسيطرة الدعم السريع عبر طرق نقل برية وجوية غير معلنة.

هذه المعلومات، التي جاءت من صور أقمار صناعية وإشارات إلكترونية ميدانية، تُعد من أوضح الأدلة حتى الآن على تورط مباشر في تمويل وتسليح طرف متهم بارتكاب جرائم حرب.

“الغارديان”: أسلحة بريطانية.. بأيدٍ إماراتية ثم سودانية

في موازاة ذلك، فجّرت صحيفة الغارديان البريطانية فضيحة جديدة، حين كشفت عن استخدام قوات الدعم السريع لأسلحة بريطانية الصنع نُقلت عبر الإمارات.

التحقيق الذي أعدّه الصحفي مارك تاونسند أشار إلى وجود ملفين استخباريين رفعا إلى مجلس الأمن الدولي، يوثّقان وجود معدات بريطانية – من أنظمة استهداف ومحركات مدرعات – في أيدي ميليشيا الدعم السريع.

الصحيفة نقلت عن الخبير البريطاني مايك لويس قوله إن حكومة لندن تنتهك قوانينها الخاصة بتصدير الأسلحة إذا ثبت علمها بإعادة تصدير المعدات إلى مناطق نزاع.

وتشير التقارير إلى أن هذه الأسلحة استُخدمت في هجمات على قرى ومدن سودانية، أودت بحياة المئات وتسببت بتهجير آلاف المدنيين، ما جعل الأمم المتحدة تصف الوضع في دارفور بأنه أكبر كارثة إنسانية حالياً في العالم.

بين النفي الرسمي والعزلة الشعبية

رغم تصاعد الأدلة والتقارير الدولية، لم تصدر عن أبوظبي أي تصريحات واضحة تنفي أو تبرر الاتهامات الأخيرة، في وقت تتزايد فيه المطالبات الدولية بإجراء تحقيق مستقل في الدعم الخارجي لقوات الدعم السريع.

هذا الصمت فُسر من قبل مراقبين بأنه محاولة للهروب من المواجهة المباشرة، في ظل تنامي الدعوات لمحاسبة المسؤولين الإماراتيين أمام محاكم دولية بتهمة المشاركة في تمويل جرائم حرب.

أما على الصعيد الشعبي، فقد تجاوزت المقاطعة حدود العالم العربي، لتجد صدى في الولايات المتحدة وأوروبا وأفريقيا، حيث أطلق ناشطون حملات مشابهة تدعو إلى تجميد الاستثمارات الإماراتية في الدول الغربية، ووقف التعاون العسكري معها.

سقوط القناع عن “قوة الاستقرار”

لطالما قدّمت الإمارات نفسها بوصفها قوة استقرار إقليمي، وممولاً رئيسياً لبرامج التنمية والإغاثة في العالم العربي.

لكن الاتهامات الأخيرة، مدعومة بالتقارير الاستخباراتية الغربية، تهزّ هذه الصورة من جذورها، وتكشف عن ازدواجية خطيرة بين الخطاب الإنساني والسلوك الميداني.

من اليمن إلى ليبيا ثم السودان، تتكرّر المعادلة ذاتها: دعم ميليشيات محلية، تسليح أطراف الصراع، وتمويل عمليات تؤدي إلى تفكك الدول.

وإذا كان العالم قد تغاضى عن أدوار سابقة لأبوظبي، فإن مشاهد الفاشر ومجازر دارفور جعلت السكوت الدولي يبدو تواطؤاً معلناً.

خلاصة

ما يجري اليوم ضد الإمارات ليس مجرد “حملة إلكترونية”، بل تحول سياسي وأخلاقي يعكس انهيار الثقة في الدور الإماراتي إقليمياً ودولياً.

فبعد أن كانت تُسوّق لنفسها كجسر إنساني، وجدت نفسها متهمة بتغذية واحدة من أبشع الحروب في أفريقيا.

من الفاشر إلى تويتر، ومن دارفور إلى العواصم الغربية، يتشكل إجماع جديد: من يموّل الحرب لا يمكنه ادعاء السلام.

اقرأ أيضا: تقرير أميركي يفضح الإمارات وارتكاب الدعم السريع مجازر جماعية بالفاشر