في خطوة مفاجئة أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية، أصدر العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، الأحد، أمراً ملكياً يقضي بإقالة طلال بن عبد الله العتيبي من منصبه كمساعد لوزير الدفاع.

القرار الذي بثته وكالة الأنباء الرسمية (واس) جاء ضمن سلسلة أوامر ملكية شملت إعفاء شخصيات بارزة في مواقع استراتيجية، ما فتح الباب أمام تساؤلات حول دوافع هذه القرارات وتوقيتها، خصوصاً في ظل التحديات الأمنية والعسكرية التي تواجه المملكة.

 

خلفية القرار.. مسيرة قصيرة انتهت سريعاً

كان العتيبي قد عُيّن مساعداً لوزير الدفاع في أيلول/ سبتمبر 2022، وهو منصب رفيع جعله قريباً من دوائر صناعة القرار العسكري في المملكة. كما شغل منذ العام الماضي عضوية مجلس إدارة الشركة السعودية للصناعات العسكرية “سامي”، الذراع الاستراتيجي للمملكة في مجال التصنيع الحربي، والتي تعد جزءاً من رؤية ولي العهد محمد بن سلمان لتوطين الصناعات العسكرية وتقليل الاعتماد على الخارج.
ورغم حداثة توليه المنصب، فإن إقالته بعد أقل من عامين تكشف عن طبيعة التغييرات السريعة التي تطال القيادات في المنظومة الدفاعية، حيث يُنظر إلى وزارة الدفاع باعتبارها ساحة أساسية لإعادة تشكيل موازين القوى داخل الأسرة الحاكمة.

تغييرات متزامنة.. رسائل متعددة

لم يقتصر الأمر على إقالة العتيبي، بل شملت الأوامر الملكية أيضاً إعفاء غسان بن عبدالرحمن الشبل، المستشار في الأمانة العامة لمجلس الوزراء، إلى جانب إعفاء محمد بن حمد الماضي من منصبه كرئيس للمؤسسة العامة للصناعات العسكرية. هذه التغييرات المتزامنة في قطاعي الدفاع والصناعات العسكرية تعكس، وفق مراقبين، رغبة ولي العهد محمد بن سلمان في إحكام قبضته على المؤسستين الأكثر ارتباطاً بمشروعه الاستراتيجي “رؤية 2030″، والتي تجعل من الصناعات العسكرية ركيزة أساسية في تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط.

خالد بن سلمان.. تعزيز موقع الأخ الأصغر

وزارة الدفاع السعودية يقودها حالياً الأمير خالد بن سلمان، الشقيق الأصغر لولي العهد، والذي كان بدوره قد تولى المنصب خلفاً لوالده الملك سلمان. إقالة طلال العتيبي من منصبه كمساعد للوزير تمنح خالد بن سلمان مساحة أكبر لتركيز السلطة في يده بعيداً عن أي أصوات أو شخصيات قد تشكل توازناً أو معارضة داخلية.
وبحسب تحليلات سياسية، فإن ولي العهد يعتمد على شقيقه الأصغر لتأمين ملف الدفاع، لما له من خبرة عسكرية ودبلوماسية بعد أن شغل منصب نائب وزير الدفاع وسفير المملكة في واشنطن سابقاً، مما يجعله أحد أعمدة مشروع محمد بن سلمان في إعادة رسم صورة السعودية كقوة إقليمية عسكرية.

التضحية بالمقربين.. نهج متكرر

قرار الإطاحة بالعتيبي يعكس نهجاً بات مألوفاً في إدارة الحكم السعودي خلال السنوات الأخيرة: التضحية بالمقربين متى ما اقتضت الحاجة. فقد سبق أن شهدت المملكة تغييرات متلاحقة في مواقع حساسة، سواء في وزارة الطاقة أو الداخلية أو حتى في صفوف المستشارين المقرّبين من الديوان الملكي. هذا النهج يشير إلى أن محمد بن سلمان لا يتردد في الاستغناء عن أي شخصية إذا شعر بأن وجودها لم يعد يخدم مشروعه، أو إذا برزت مؤشرات على ولاءات متداخلة قد تهدد سلطته المطلقة.

قراءة في التوقيت.. هواجس أمنية داخلية وخارجية

توقيت القرار يطرح علامات استفهام عديدة. فمن جهة، تواجه المملكة تحديات متصاعدة على الحدود الجنوبية مع اليمن في ظل استمرار الهجمات الحوثية التي طالت العمق السعودي. ومن جهة أخرى، تحاول الرياض لعب دور متوازن في ظل الصراعات الإقليمية، لاسيما الحرب الإسرائيلية على غزة والتوتر المتزايد مع إيران.
إقالة العتيبي قد تكون رسالة مزدوجة: أولاً لتأكيد أن وزارة الدفاع لن تكون إلا تحت السيطرة المباشرة لمحمد بن سلمان وشقيقه خالد، وثانياً لإعادة ترتيب الصفوف داخلياً استعداداً لمواجهات أمنية أو عسكرية قد تتطلب ولاءً كاملاً بلا تردد.

صناعة الولاء وتفكيك الشبكات القديمة

من المعروف أن المؤسسة العسكرية السعودية لطالما كانت ساحة لصراع مراكز القوى داخل العائلة الحاكمة. ومع صعود محمد بن سلمان، تم تفكيك شبكات النفوذ القديمة التي كانت تتركز حول أمراء من الصف الأول، لصالح بناء دائرة ضيقة من الموالين الجدد.
إقالة العتيبي ومن معه تأتي امتداداً لهذه السياسة، إذ يجري استبدال شخصيات لها خبرة إدارية أو عسكرية بشخصيات أخرى أكثر ولاءً للمشروع السياسي للولي العهد. وهنا يمكن القول إن ما يحدث ليس مجرد تغييرات إدارية، بل هو عملية إعادة هندسة عميقة لبنية القوة داخل الدولة.

دلالات مستقبلية.. نحو احتكار مطلق للقرار

يمكن قراءة هذه القرارات في إطار مسار طويل المدى يسعى فيه محمد بن سلمان إلى احتكار القرار العسكري والسياسي والاقتصادي في المملكة. فمن خلال تمكين شقيقه خالد في وزارة الدفاع، والتحكم المباشر في قطاع الصناعات العسكرية عبر تغييرات في قياداته، يضع ولي العهد كل المفاتيح الاستراتيجية في يده.
وبذلك، يبعث رسالة داخلية بأن لا مكان لأي شخصية – مهما كان موقعها – إذا لم تكن جزءاً من معادلة الولاء المطلق له ولرؤيته.

خلاصة

إقالة العاهل السعودي لمساعد وزير الدفاع طلال العتيبي، ومعه شخصيات أخرى من مواقع حساسة، ليست مجرد خطوة روتينية. بل هي حلقة جديدة في مسلسل إعادة تشكيل هرم السلطة داخل المملكة. المشهد يوحي بأن محمد بن سلمان، الحاكم الفعلي، ماضٍ في نهجه القائم على التضحية بالمقربين متى ما اقتضت مصلحته، وتعزيز موقع شقيقه خالد كذراع عسكري مطلق الصلاحيات.
وبينما يحاول النظام الترويج لهذه القرارات بوصفها إصلاحات إدارية، فإن القراءة التحليلية تكشف أنها جزء من استراتيجية أشمل تهدف إلى احتكار القرار وتفكيك أي مراكز نفوذ بديلة، في مسار يقود السعودية إلى تركيز غير مسبوق للسلطة بيد ولي العهد، على حساب التنوع المؤسسي والتوازن الداخلي.

اقرأ أيضًا : فضيحة مدوية.. الـFBI تعتقل مسؤولا إسرائيليا في وحدة الأمن السيبراني بتهم جرائم جنسية