أصبح الدين الآن بطلًا في روايات القادة المستبدين في الشرق الأوسط، يستخدمونه بطرق شيطانية لخدمة أجنداتهم داخل وخارج الإقليم العربي وللتغطية على ممارساتهم القمعية وسياساتهم التعسفية، وهنا لا نتحدث عن الدين الإسلامي وحسب، لكن المسيحي واليهودي أيضًا.

مطلع الشهر الماضي افتتح “بيت العائلة الإبراهيمية” رسميًا في جزيرة السعديات في أبو ظبي، عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة، وهو عبارة عن “مجمع للأديان” روجت له الإمارات أنه منارة للتسامح والحداثة في الشرق الأوسط، كونه يضم مسجد الإمام الطيب وكنيسة القديس فرنسيس وكنيس موسى بن ميمون.

المجمع، وهو جزء من جهد حكومي إماراتي سوقته الدولة كوسيلة لتعزيز الانسجام بين الأديان في منطقة يراها العالم بأنها منطقة للصراع والتطرف الديني، بدأت فكرة هذا المجمع عام 2019، بعد زيارة البابا فرانسيس إلى الإمارات العربية المتحدة قام خلالها الإمام الأكبر للأزهر في مصر، أحمد الطيب، ووقعا خلالها “وثيقة الأخوة الإنسانية” على أمل تعزيز الوحدة بين الأديان.

أصبحت مثل هذه المبادرات الموجهة من الحكومة الإماراتية – التي يُروج لها كآلية لتعزيز السلام والتسامح والاعتدال – شائعة بشكل متزايد في جميع أنحاء الشرق الأوسط على مدار العقد الماضي، مع دول مثل مصر والأردن والمغرب والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والعديد من الدول الأخرى.

أطلق آخرون مبادرات دولية متنوعة تركز على الحوار بين الأديان، ومكافحة الممارسات والتفسيرات الدينية المتطرفة ونشر ما يسمى بـ “الإسلام المعتدل”.

ومع ذلك، على الرغم من أن صورة التسامح والاعتدال هي التي تظهر في الواجهة، فإن العديد من هذه الحكومات نفسها تستخدم الدين في وقت واحد لدعم حكمها الاستبدادي، وإضفاء الشرعية على القمع، والحد من حريات مواطنيها، وتبرير السياسات العدوانية في الخارج.

على سبيل المثال، النظام الإماراتي ليس فقط قمعي شرس في الداخل، ولكنه أيضًا واحدًا من أكثر أنظمة الشرق الأوسط خلقًا للأزمات الإنسانية في المنطقة، وأكبر موقد لإشعال الحروب الأهلية في المنطقة، فضلًا عن أنه سحق التطلعات الديمقراطية، وغذى المظالم الأساسية التي أدت إلى الاضطرابات الداخلية وزعزعة استقرار الكثير من البلدان.

على نحو متزايد، تستخدم العديد من حكومات الشرق الأوسط الدين كأداة للقوة الناعمة جنبًا إلى جنب مع الجهود الأخرى – بما في ذلك الغسيل الرياضي والغسيل الأخضر وحملات العلاقات العامة الأخرى – المصممة لتبرئة نفسها من مسؤوليتها في ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان وزعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط مع الحفاظ على الدعم من الأنظمة الغربية، سواء مادي أو عسكري أو دبلوماسي.

تميل نسبة كبيرة من التحليلات الأكاديمية والسياسية التي تدرس العلاقة بين الدين والسياسة في الشرق الأوسط إلى التركيز بشكل كبير على كيفية قيام الإسلام بتحريك النتائج السياسية في المنطقة، لذلك فإن المشروع الذي ترعاه الحكومة بما يسمى بالإسلام المعتدل هو مثال على الرسائل الدينية ذات الدوافع السياسية.

هناك عنصران رئيسيان لهذا الإسلام المعتدل الذي ترعاه الحكومة:

العنصر الأول: الترويج لمفاهيم إسلامية سياسية تعزز من قيمة ومكانة النظام الحاكم، وضرورة الطاعة المطلقة للسلطة القائمة، إذ تصور الحكومات طاعة حاكم الدولة كواجب ديني، كما تتبنى هذه الحكومات توجهًا يجعل الإسلام خاضعًا لأجنداتها، وغير قادر على تحدي شرعية النظام أو سياساته، مع نزع الشرعية عن المصادر البديلة للسلطة الدينية أو السياسية.

من الأمور الحاسمة لمثل هذه الإستراتيجية تصوير جميع أشكال الإسلاموية وجميع أشكال المعارضة السياسية الإسلامية على أنها مظاهر “للتطرف” و “الراديكالية” من أجل القضاء على جميع الأصوات الدينية والسياسية المستقلة أو المعارضة القادرة على تحدي سلطة الدولة.

تدعم هذه الجهود قوانين مكافحة الإرهاب المصممة بشكل إستراتيجي والتي انتشرت في جميع أنحاء الشرق الأوسط في موجتين رئيسيتين: الأولى في أعقاب هجمات 11 سبتمبر / أيلول 2001، والأخرى في أعقاب الانتفاضات العربية عام 2011.

هذه القوانين تواجه انتقادات عدة بسبب اللغة الغامضة التي كُتبت بها التشريعات، إذ أنها فضفاضة وغير دقيقة ويمكن للدولة التنكيل بأي شخص بمجرد توجيه اتهامات له بموجب هذه القانون، وقد استخدم هذا النوع من التشريعات لاستهداف جميع أشكال المعارضة في دول مثل مصر والأردن والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وغيرها.

تلعب الأنظمة الديكتاتورية في المنطقة على تصوير المعارضة التي تواجههم بأنها جماعات متطرفة تقف في وجه النظام وتعرقل مسيرة الإصلاح وتقف وراء التحديات والأزمات التي تعاني منها البلاد، بهذا الشكل تتمكن الحكومات من صرف الانتباه عن كيف أن سياساتها الاستبدادية غالبًا ما تكون المحفزات الأساسية لعدم الاستقرار الإقليمي وقمع أي شخص تعتبره تهديدًا له.

العنصر الثاني: في إطار الجهود المبذولة لتصنيف نفسها على أنها معتدلة، تبنت هذه الأنظمة أيضًا الاستخدام الاستراتيجي للتسامح بين الأديان، وقد أثبت التواصل من قبل هذه الدول مع مختلف الجاليات والمنظمات والشخصيات المسيحية واليهودية فعاليته بشكل خاص، كما يروجون، من خلال تأطير أفعالهم على أنها تتماشى مع المبادرات الغربية المصممة لحماية الحرية الدينية وتشجيع العلاقات بين الأديان، وقد تلقت هذه الحكومات إشادة منتظمة من القادة السياسيين والجماعات الدينية في الولايات المتحدة، كما سمح لهم ذلك بإظهار صورة من التسامح مع التودد أيضًا إلى الجهات الفاعلة المؤثرة في بعض البلدان الغربية.

إن الانخراط مع المجتمعات الدينية الأخرى والقادة في الخارج لا يعزز فقط صورة هذه الحكومات كجهات فاعلة متسامحة وتقدمية، بل يقدم أيضًا فرصة لهذه الدول لإبراز نفسها دوليًا بصفتها الممثل الشرعي الوحيد للمجتمع الإسلامي العالمي، وهو أمر مهم بالنسبة لهذه الأنظمة التي تحاول أن تثبت للخارج أنها قوى استقرار في جميع أنحاء الشرق الأوسط على الرغم من سياساتها القمعية في الداخل والسياسات الخارجية العدوانية التي تقف بشكل أساسي وراء عدم الاستقرار الإقليمي.

مشروع الإسلام المعتدل الذي ترعاه الحكومة الإماراتية هو نتاج حقبة ما بعد 11 سبتمبر، في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية، شرع الغرب في بناء تصنيفات عشوائية لما وصفه العالم محمود ممداني بالمسلمين “الجيدين” و “السيئين”: إن الإسلام الذي تمارسه الأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط وتعززه يتم تقديمه إلى الغرب على أنه “جيد” و “معتدل”، وهو مصمم لتصوير هذه الحكومات على أنها أفضل شريك مع الغرب للعمل على محاربة ” الإسلام السيئ والمتطرف.

بدأت الولايات المتحدة في ضخ الأموال والأسلحة في جيوب هذه الحكومات تحت فكرة دعم مكافحة الإرهاب، في المقابل سخرت الأنظمة هذه الموارد في القمع واسع النطاق لأي شخص يحاول التغيير أو يطالب به، تسارعت هذه الأنماط مع الانتفاضات العربية عام 2011، حيث كانت النخب الحاكمة تتسابق لنزع الشرعية عن المعارضة لحكمها وقمعها مع الحفاظ على الدعم الغربي.

قدمت هذه الحكومات الديكتاتورية نفسها على أنها مؤيدة للاستقرار، وتمكنت من صرف الانتباه عن حقيقة أنها السبب الرئيسي وراء الأزمات والحروب في المنطقة.

مشروع الإسلام المعتدل موجه بالدرجة الأولى نحو الغرب، ولا سيما الولايات المتحدة، التي تظل الضامن الأمني للعديد من الحكومات التي تقود هذه المشاريع، ويُعد بيع هذه الصورة بنجاح على نطاق عالمي عاملًا حاسمًا لمبادرات القوة الناعمة التكميلية الأخرى والجهود المبذولة لإضفاء الشرعية على السياسات المحلية والدولية لهؤلاء الفاعلين المستبدين.

دولتان على وجه الخصوص تقودان مشروع الإسلام المعتدل: المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، ولقد أشرف القادة في هذه البلدان على مبادرات كثيرة على الصعيد المحلي والدولي من أجل تعزيز التسامح الديني وتصدير صورة الإسلام المعتدل للعالم الغربي، لا يمكن إنكار هذه الجهود، ومع ذلك، على الرغم من هذه المبادرات، تعد المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة من بين أكثر الحكومات استبدادًا في العالم.

يتورط كلا البلدين في انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان في الداخل ويدعمان مجموعة واسعة من المستبدين في جميع أنحاء المنطقة المتورطين في انتهاكات مماثلة.

المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة يقفان وراء الانتفاضة الاستبدادية التي تحدث في جميع أنحاء الشرق الأوسط، في الداخل، يمارسون قمعًا شرسًا، ولا يسمحون بحرية التعبير ويستخدمون كل قوتهم لإسكات أي شكل من أشكال المعارضة، وتشهد الدولتان تعزيزًا وتكثيفًا للحكم الشخصي أو حكم الفرد الواحد كما يسميه البعض في سلطوية استبدادية واحدة، والمتابع لقرارات وسياسات محمد بن سلمان ومحمد بن زايد سيرى أنهما يجردان كافة المؤسسات من صلاحياتهم لتكون كافة السلطات في يديهم.

في الخارج، قاد هذان الزعيمان هجومًا عسكريًا -لم يتوقف- في اليمن أسفر عن أسوأ أزمة إنسانية في العالم، واستمرا في ضخ الموارد المالية والعسكرية لدعم الجهات الاستبدادية في دول مثل ليبيا ومصر المتورطين في ارتكاب انتهاكات جسيمة، ويشتركان في حملات معقدة من القمع والمراقبة العابرة للحدود، يشنان حملات استهداف للنشطاء والمعارضين حول العالم، بالإضافة إلى ذلك، فقد لعبوا أدوارًا حاسمة في دعم قمع الصين لمجتمعاتها المسلمة المحلية، كما تواصل كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة الانخراط في أنشطة غير قانونية داخل الولايات المتحدة.

هذه المبادرات الدينية ساهمت بشكل كبير في التقارب بين هذه الدول العربية وبين إسرائيل ونتج عنها اتفاقيات “أبراهام” لتطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات والبحرين وعدد من الدول العربية. هذه الاتفاقات لم تخدم السلام في الشرق الأوسط لكنها مثلت ترسيخًا لنظام إقليمي مفروض من أعلى إلى أسفل يهدف إلى تعزيز مصالح النخب السياسية التي تحكم شعوبها بالقمع والاستبداد.

المبادرات بين الأديان وتعزيز الاعتدال الديني والتسامح أمر مرحب به في حد ذاته ويجب تشجيعها، لكن المشكلة تكمن في أن الأنظمة الاستبدادية تستخدم مشروع الإسلام المعتدل الذي ترعاه الحكومة كآلية لتبييض سياساتها الداخلية والخارجية القمعية والعدوانية مع تصدير صورة خاطئة للداعمين الغربيين.

المبادرات التي تتبعها هذه الأنظمة هي سياسية بطبيعتها، ومصممة فقط لدعم الأهداف المحلية والجيوسياسية لهذه الحكومات الاستبدادية بدلاً من تعزيز التسامح والسلام ومواجهة التطرف الحقيقي.

للاطلاع على النص الأصلي من المصدر اضغط هنا