في خطوة تعكس تصاعد القلق الدولي من شبكات التمويل غير الشرعي المرتبطة بالإمارات، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض سلسلة واسعة من العقوبات على أفراد وشركات تعمل من داخل الدولة الخليجية بسبب تورطهم في دعم وتمويل منظمات مصنفة إرهابية على مستوى العالم. وتشمل هذه الشبكات جماعات مثل الحرس الثوري الإيراني، وحزب الله اللبناني، وجماعة الحوثيين في اليمن، وتنظيم بوكو حرام في نيجيريا، وحركة الشباب الصومالية المرتبطة بتنظيم القاعدة، إضافة إلى شبكات مالية مرتبطة بقوات الدعم السريع في السودان.

هذه العقوبات، التي جاءت بعد تحقيقات موسعة أجرتها السلطات الأمريكية عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)، كشفت عن وجود منظومة مالية وتجارية معقدة تعمل من الأراضي الإماراتية لتسهيل التحويلات المالية وغسل الأموال وتهريب النفط والسلع، بما يسمح لهذه التنظيمات بمواصلة أنشطتها العسكرية والإرهابية في مناطق مختلفة من العالم.

وتظهر الوثائق الرسمية أن الإمارات تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مركز لوجستي ومالي تستخدمه شبكات دولية للتحايل على العقوبات الدولية، عبر إنشاء شركات واجهة وإدارة عمليات تجارية وهمية، مستفيدة من البيئة المالية المرنة في الدولة ومن شبكة الموانئ والشركات التجارية التي تسمح بإعادة تصدير السلع دون تدقيق صارم في مصدرها الحقيقي.

شبكات النفط والمال.. بوابة تمويل الحرس الثوري

من أبرز القضايا التي كشفتها العقوبات الأمريكية شبكة تهريب النفط الإيراني التي تعمل عبر شركات شحن وتجارة مقرها الإمارات. ووفق التحقيقات، قامت هذه الشركات بتسهيل نقل النفط الإيراني عبر ما يعرف بـ”أسطول الظل”، وهو مجموعة من السفن التي تُستخدم للتحايل على العقوبات المفروضة على صادرات النفط الإيرانية.

وبحسب المعلومات الأمريكية، شارك أفراد وشركات في الإمارات في تحويل عائدات هذا النفط إلى الحرس الثوري الإيراني، وهو ما اعتبرته واشنطن دعماً مباشراً للقدرات العسكرية الإيرانية.

ومن بين الأفراد المرتبطين بهذه الشبكات شخصيات مقيمة في الإمارات، إضافة إلى شركات شحن ونفط تعمل كواجهات تجارية لعمليات نقل النفط الإيراني إلى الأسواق الدولية. كما كشفت العقوبات عن شركات إماراتية مثل CGN Trade FZE وTransmart DMCC التي ساعدت في بيع النفط الإيراني وتحويل أرباحه إلى الحرس الثوري.

كما أظهرت التحقيقات وجود شركات في الإمارات ساعدت في توفير مكونات حساسة تستخدم في برنامج الطائرات المسيّرة الإيراني، وهي الطائرات التي أصبحت إحدى أبرز أدوات إيران العسكرية في الصراعات الإقليمية.

شركات إماراتية في خدمة حزب الله والحوثيين

العقوبات الأمريكية لم تقتصر على دعم إيران فحسب، بل كشفت أيضاً عن شبكات مالية تعمل عبر الإمارات لمساعدة حزب الله اللبناني على التحايل على العقوبات الدولية.

وبحسب وزارة الخزانة الأمريكية، استخدم مستشار مالي مرتبط بحزب الله شركات ومؤسسات مالية في الإمارات لتحويل الأموال وتبييضها، وهو ما سمح للتنظيم بمواصلة تمويل عملياته العسكرية.

وشملت قائمة العقوبات أفراداً مثل Adnan Mahmoud Youssef وMazen Hassan al-Zein وRayyan Moukalled وRani Moukalled، إضافة إلى شركات مثل CTEX Exchange التي استخدمت كمنصات مالية لتمرير الأموال.

كما كشفت التحقيقات عن شركات إماراتية ساعدت الحوثيين في اليمن عبر تسهيل عمليات استيراد الوقود وغسل الأموال، وهي عمليات ساعدت الجماعة المسلحة على تمويل أنشطتها العسكرية في الحرب اليمنية.

ومن بين الشركات المرتبطة بهذه الشبكات Tyba Ship Management DMCC وArkan Mars Petroleum DMCC، التي شاركت في إدارة سفن وشحنات نفط مرتبطة بالحوثيين.

من بوكو حرام إلى الشباب الصومالية.. شبكة عابرة للقارات

التحقيقات الأمريكية كشفت أيضاً عن شبكات تمويل تمتد من الإمارات إلى إفريقيا، حيث تمكنت جماعات مثل بوكو حرام في نيجيريا وحركة الشباب الصومالية من الحصول على تمويلات عبر شركات وأفراد يعملون من داخل الإمارات.

ووفق المعلومات الرسمية، قامت شبكة مالية بجمع الأموال في الإمارات ثم تحويلها إلى تنظيم بوكو حرام، وهو أحد أخطر التنظيمات الإرهابية في إفريقيا.

وشملت العقوبات عدداً من الأفراد المتورطين في هذه الشبكة، بينهم Abdurrahman Ado Musa وSalihu Yusuf Adamu وBashir Ali Yusuf وMuhammed Ibrahim Isa وIbrahim Ali Alhassan وSurajo Abubakar Muhammad.

كما كشفت العقوبات عن شبكة غسل أموال مرتبطة بحركة الشباب الصومالية، تضم 16 فرداً وشركة تعمل بين الإمارات وقبرص ودول شرق إفريقيا، وكانت تستخدم شركات تجارية لتحويل الأموال وإخفاء مصدرها الحقيقي.

مفارقة صادمة.. الإمارات تدعم إيران التي تقصفها

أحد أكثر الجوانب إثارة للجدل في هذه القضية يتمثل في المفارقة السياسية الصادمة التي كشفتها العقوبات الأمريكية. فبينما تتعرض الإمارات ودول خليجية أخرى لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، تظهر التحقيقات أن شركات تعمل من داخل الإمارات ساعدت إيران في شراء قطع غيار ومكونات تستخدم في تطوير هذه الأسلحة نفسها.

هذه الحقيقة تكشف حجم التناقض في السياسات الإقليمية، حيث تتحول بعض المراكز التجارية والمالية في الخليج إلى قنوات غير مباشرة لتمويل برامج عسكرية تستخدم لاحقاً ضد دول المنطقة نفسها.

نظام بن زايد تحت المجهر الدولي

هذه العقوبات وضعت نظام محمد بن زايد تحت ضغط متزايد، خاصة أن الإمارات تسعى منذ سنوات إلى تقديم نفسها كشريك استراتيجي للولايات المتحدة والغرب في مكافحة الإرهاب.

لكن سلسلة العقوبات المتتالية تكشف صورة مختلفة تماماً، إذ تظهر الإمارات كمركز مالي تستخدمه شبكات دولية لتمويل الإرهاب وغسل الأموال والتحايل على العقوبات الدولية.

ويرى مراقبون أن هذه الملفات قد تفتح الباب أمام تحقيقات أوسع في دور الشركات والمراكز المالية في الإمارات في دعم شبكات تهريب النفط والذهب والأسلحة، وهي أنشطة باتت تشكل جزءاً من اقتصاد الظل العالمي الذي يغذي الصراعات المسلحة في الشرق الأوسط وإفريقيا.

وفي ظل استمرار الحرب في المنطقة وتصاعد الصراعات الإقليمية، تبدو هذه الشبكات المالية العابرة للحدود أحد أخطر العوامل التي تساهم في إطالة أمد النزاعات، وهو ما يجعل ملف تمويل الإرهاب عبر الشركات الإماراتية قضية مرشحة لمزيد من التصعيد الدولي خلال الفترة المقبلة.

اقرأ أيضًا : ليندسي غراهام يهاجم السعودية ويضغط لجرّ الخليج إلى الحرب ضد إيران