بلغ التوتر بين السعودية والإمارات ذروته مع صدور تحذير سعودي شديد اللهجة وُجّه إلى أبو ظبي عقب تطورات أمنية خطيرة في جنوب اليمن، رأت فيها الرياض تجاوزًا مباشرًا لخطوطها الحمراء وتهديدًا صريحًا لأمنها القومي. وجاء هذا التحذير بعد هجمات وتفجيرات وقعت في مناطق قريبة من الحدود الجنوبية للمملكة، نُسب دعمها اللوجستي والعسكري لقوى مدعومة من الإمارات، في سياق اعتبرته السعودية محاولة لفرض وقائع عسكرية جديدة على تخومها الجنوبية. ولم يلبث هذا التحذير أن تُرجم إلى فعل عسكري مباشر، حين أعلن التحالف الذي تقوده الرياض تنفيذ ضربة جوية استهدفت سفينتين دخلتا ميناء المكلا محمّلتين بأسلحة ومعدات قتالية، في تحول واضح من مرحلة الرسائل السياسية المغلقة إلى الصدام العلني بين الحليفين السابقين في الملف اليمني.
منذ سنوات، لم تعد العلاقة بين السعودية والإمارات في اليمن علاقة تحالف متماسك، بل شراكة متصدعة تخضع لاختبارات متكررة، إلا أن ما جرى في جنوب اليمن خلال الأسابيع الأخيرة نقل هذا التصدع إلى مرحلة المواجهة السياسية والعسكرية المفتوحة. فالتطورات الراهنة لم تكن مفاجئة في جوهرها، بل جاءت نتيجة مسار طويل من التوترات المتراكمة منذ انطلاق التدخل العسكري في اليمن عام 2015، حين دخل البلدان الحرب تحت عنوان واحد، قبل أن تتباين الأهداف وتتعارض المسارات على الأرض.
عند بدء العمليات العسكرية في مارس 2015، بدت السعودية والإمارات شريكتين في مواجهة جماعة الحوثي ودعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا والحفاظ على وحدة البلاد، غير أن هذا التوافق بدأ يتآكل تدريجيًا، لا سيما منذ عامي 2017 و2018، مع اتجاه الإمارات إلى بناء نفوذ عسكري وأمني مستقل في جنوب اليمن، عبر تشكيل ودعم قوى محلية خارج إطار الحكومة، كان أبرزها المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يرفع صراحة مشروع انفصال الجنوب وإعادة دولة جنوب اليمن التي كانت قائمة حتى عام 1990. ومع توسع هذا النفوذ، برزت أولى مؤشرات التوتر مع الرياض، التي رأت في هذا المسار تهديدًا مباشرًا لوحدة اليمن ولترتيباتها الأمنية على حدودها الجنوبية.
وخلال السنوات اللاحقة، تكرست الخلافات في أكثر من محطة، بدءًا من السيطرة غير المباشرة لقوات مدعومة إماراتيًا على موانئ ومواقع استراتيجية، مرورًا بتقويض نفوذ الحكومة اليمنية في عدن ومناطق أخرى، وصولًا إلى فرض وقائع عسكرية دون تنسيق فعلي مع السعودية. ورغم ذلك، ظل هذا الخلاف محكومًا بسقف غير معلن، إلى أن بدأ هذا السقف في الانهيار مع تصاعد تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي في المناطق الشرقية المحاذية لحدود المملكة.
ومع مطلع ديسمبر، انتقل التوتر إلى مرحلة ميدانية أكثر خطورة، حين أطلق المجلس الانتقالي حملة عسكرية واسعة في خرق واضح للتفاهمات السابقة، تمكن خلالها من بسط سيطرته على محافظتي حضرموت والمهرة، بما في ذلك مدينة سيئون، حيث استولى على المطار الدولي والقصر الرئاسي، إضافة إلى وضع يده على حقول نفط بترومسيلة الاستراتيجية، التي تمثل جزءًا كبيرًا من ما تبقى من الثروة النفطية اليمنية. هذا التمدد اعتبرته الرياض محاولة محسوبة لفرض أمر واقع انفصالي في مناطق تمثل عمقًا حساسًا لأمنها الحدودي.
في أعقاب ذلك، طالبت السعودية بانسحاب فوري لقوات المجلس الانتقالي وتسليم المناطق التي سيطرت عليها إلى قوات «درع الوطن» المدعومة منها، محذّرة من أن استمرار هذه التحركات سيُقابل برد حاسم. ومع تجاهل هذه المطالب، أعلن التحالف السعودي، في 30 ديسمبر، تنفيذ ضربة جوية «محدودة» استهدفت سفينتين دخلتا ميناء المكلا في محافظة حضرموت، قائلًا إنهما قدمتا من ميناء الفجيرة الإماراتي، ودخلتا الميناء دون تصاريح رسمية، بعد تعطيل أنظمة التتبع، وقامتا بتفريغ شحنات من الأسلحة والمركبات القتالية لصالح قوات المجلس الانتقالي في حضرموت والمهرة.
وأكدت الرياض أن العملية جاءت بعد توثيق عملية التفريغ، واعتبرتها خرقًا صارخًا للهدنة وانتهاكًا مباشرًا لقرار مجلس الأمن رقم 2216، مشيرة إلى أن الضربة نُفذت بناءً على طلب رسمي من رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، الذي حذّر من أن التحركات الأحادية للمجلس الانتقالي تدفع البلاد نحو نقطة انفجار خطيرة. كما دعا التحالف المدنيين والصيادين إلى إخلاء ميناء المكلا، في إشارة واضحة إلى الاستعداد لتصعيد أوسع قد يصل إلى فرض الانسحاب بالقوة.
ورغم هذا التصعيد الواضح، أصدرت الإمارات في 26 ديسمبر بيانًا رسميًا رحّبت فيه بالجهود السعودية لدعم الأمن والاستقرار في اليمن، وأشادت بدور الرياض في خدمة مصالح الشعب اليمني، في خطاب دبلوماسي بدا منفصلًا تمامًا عن الوقائع الميدانية، ومتناقضًا مع الدعم الفعلي الذي تقدمه لقوى تفرض مشروعًا انفصاليًا بالقوة.
تكشف هذه التطورات أن الخلاف السعودي الإماراتي لم يعد تباينًا تكتيكيًا عابرًا، بل صراع نفوذ حقيقي على مستقبل جنوب اليمن، تتقاطع فيه الحسابات الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية. وبين سعي السعودية إلى حماية أمنها ووحدة اليمن، ورهان الإمارات على الجنوب كساحة نفوذ مستقلة، يتحول اليمن إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية، فيما تقف العلاقات بين الرياض وأبو ظبي اليوم على صفيح ساخن قابل للاشتعال مع أي تطور جديد.