في خطاب حمل رسائل سياسية وأمنية واقتصادية متعددة الاتجاهات، أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي أن استعادة العاصمة صنعاء من قبضة جماعة الحوثي ستظل هدفًا مركزيًا للدولة اليمنية، مهما طال أمد الصراع وتعقّدت التحديات. ولم يأتِ هذا التصريح في سياق تقليدي، بل تزامن مع تحولات إقليمية ومحلية، تعيد رسم ملامح المشهد اليمني، وتفتح الباب أمام فرص جديدة لإعادة بناء الدولة، وإفشال مشاريع التقسيم والتفكيك، وفي مقدمتها المشروع الإماراتي في جنوب البلاد.
الخطاب الذي أُلقي نيابة عن العليمي، لم يكن مجرد خطاب تعبوي، بل محاولة لإعادة تعريف أولويات المرحلة، وربط المعركة العسكرية بالمسار السياسي والاقتصادي، في ظل إدراك متزايد بأن الحسم في اليمن لا يكون بالسلاح وحده، بل ببناء مؤسسات قوية قادرة على الصمود.

استعادة صنعاء بين الرمز والواقع
تُمثّل صنعاء في الوعي السياسي اليمني أكثر من مجرد عاصمة محتلة، فهي رمز الدولة الموحدة، ومركز القرار السيادي، وفقدانها يعني عمليًا استمرار حالة الانقسام واللااستقرار. ولذلك، شدد العليمي على أن استعادتها ليست خيارًا تكتيكيًا، بل مشروع وطني جامع.
هذا التأكيد يعكس رغبة القيادة الشرعية في الحفاظ على البوصلة الوطنية، وعدم الانجرار خلف مشاريع جزئية أو تسويات مؤقتة تكرّس الانقسام. كما أنه يوجّه رسالة مباشرة للحوثيين بأن الزمن السياسي لا يعمل لصالحهم، وأن شرعيتهم القائمة على القوة ستظل هشّة مهما طال أمدها.
في الوقت نفسه، يحمل الخطاب بُعدًا معنويًا لسكان المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، عبر التأكيد على أن الدولة لم تتخلَّ عنهم، وأنهم جزء أصيل من مشروع الاستعادة.
معركة الدولة ضد الفوضى والفساد
لم يختزل العليمي الصراع في كونه مواجهة مع جماعة مسلحة فقط، بل وسّعه ليشمل معركة ضد الفوضى، والسلاح المنفلت، والفساد، واستنزاف الموارد خارج إطار الدولة. وهذه المقاربة تعبّر عن إدراك متقدم لطبيعة الأزمة اليمنية، التي لم تعد محصورة في الانقلاب الحوثي، بل تمتد إلى شبكات مصالح داخل وخارج مؤسسات الدولة.
فشل الحكومات السابقة في ضبط الموارد، وتوحيد المؤسسات، وإدارة الاقتصاد، ساهم في إضعاف الجبهة الداخلية، وأتاح المجال لقوى محلية وإقليمية لملء الفراغ. ومن هنا، تبدو معركة الإصلاح الإداري والمالي جزءًا لا يتجزأ من معركة التحرير.
الحكومة الجديدة واختبار المصداقية
أشار العليمي إلى أن الحكومة الجديدة برئاسة شائع الزنداني مطالَبة بخطوات عملية لتعزيز هيبة الدولة، وضبط الموارد، وتمكين البنك المركزي، وحماية العملة، وانتظام الرواتب، وتحسين الخدمات.
هذه الوعود ليست جديدة على الخطاب الرسمي اليمني، لكنها تأتي اليوم في سياق مختلف، حيث بلغ الانهاك الاقتصادي مستويات غير مسبوقة، وازدادت نقمة الشارع على الأداء الحكومي. وبالتالي، فإن الحكومة أمام اختبار حقيقي: إما ترجمة هذه التعهدات إلى سياسات ملموسة، أو فقدان ما تبقى من ثقة شعبية.
نجاح الحكومة في هذا الملف سيكون عاملًا حاسمًا في تعزيز شرعية السلطة، وتقوية موقفها في أي مفاوضات مستقبلية.
الشراكة مع السعودية وإعادة التوازن الإقليمي
خصّ العليمي السعودية بإشادة واضحة، معتبرًا أن الشراكة معها ليست تحالفًا ظرفيًا، بل قدرًا استراتيجيًا تفرضه الجغرافيا والمصير المشترك. هذا التأكيد يعكس توجهًا لإعادة تموضع الشرعية ضمن محور داعم للوحدة والاستقرار، في مواجهة مشاريع التفتيت.
في هذا السياق، تبدو الرياض أكثر حرصًا على دعم مسار الدولة اليمنية الموحدة، مقارنة بمرحلة سابقة اتسمت بتعدد الأجندات داخل التحالف. ويُنظر إلى هذا التحول بوصفه فرصة لإعادة ضبط المسار، وتقليص نفوذ القوى التي عملت على تقويض مؤسسات الدولة من الداخل.
إفشال مشروع التقسيم الإماراتي
من أبرز الرسائل غير المباشرة في خطاب العليمي، تأكيده على وحدة المشروع الوطني، وربط استعادة صنعاء ببناء “اليمن الكبير والعادل”. هذه العبارة تحمل دلالة سياسية واضحة، في ظل الحديث المتزايد عن مشاريع انفصالية وتفتيتية، برزت خلال السنوات الماضية بدعم إماراتي مباشر.
الدعم الإماراتي للمجلس الانتقالي الجنوبي، وتكريس واقع أمني وسياسي موازٍ للدولة في عدن ومناطق أخرى، كان أحد أخطر التحديات التي واجهت الشرعية. ولذلك، فإن تراجع دور الانتقالي مؤخرًا، وتقليص حضوره، يُعد تطورًا مهمًا في مسار إفشال مشروع التقسيم.
خطاب العليمي جاء ليؤكد أن المرحلة القادمة لن تسمح بإعادة إنتاج الكيانات الموازية، وأن وحدة القرار والمؤسسات شرط أساسي لاستعادة الدولة.
القضية الجنوبية بين الإنصاف والاحتواء
تطرق العليمي إلى “القضية الجنوبية” بوصفها قضية عادلة، لا بد من إنصافها في إطار دولة القانون. هذا الطرح يسعى إلى نزع الذرائع من القوى الانفصالية، عبر الاعتراف بالمظالم التاريخية، مع رفض تحويلها إلى مشروع انفصال.
الحوار الجنوبي الذي ترعاه السعودية يُنظر إليه كفرصة لإعادة دمج الجنوب في المشروع الوطني، على أساس الشراكة والعدالة، لا الهيمنة أو الإقصاء.
نجاح هذا المسار سيشكّل ضربة قوية لمشاريع التفكيك، ويعيد الاعتبار لفكرة الدولة الجامعة.
الاقتصاد المنهك ورهان الاستقرار
يعاني الاقتصاد اليمني من ضغوط هائلة، بسبب توقف صادرات النفط، وتراجع المساعدات، وارتفاع التضخم، وتآكل العملة. هذه الأزمة لا تهدد فقط معيشة المواطنين، بل تقوّض قدرة الدولة على الصمود.
ولهذا، ربط العليمي الاستقرار الاقتصادي بمعركة استعادة الدولة، معتبرًا أن تحسين الخدمات وحماية العملة جزء من الأمن القومي. هذا الربط يعكس وعيًا متزايدًا بأن الجبهة الداخلية هي خط الدفاع الأول.
بين الخطاب والواقع السياسي
في المحصلة، يعكس خطاب العليمي محاولة لإعادة توحيد المسار السياسي والعسكري والاقتصادي، تحت مظلة مشروع وطني جامع، هدفه استعادة صنعاء، وبناء دولة قوية، وإفشال مشاريع التقسيم.
غير أن نجاح هذا المشروع يبقى مرهونًا بقدرة القيادة على الانتقال من الخطاب إلى الفعل، ومن الوعود إلى السياسات، ومن إدارة الأزمة إلى صناعة الحل. فاليمن اليوم أمام فرصة نادرة، إما أن تُستثمر لإعادة بناء الدولة، أو تُهدر كما أُهدرت فرص كثيرة من قبل.
اقرأ أيضا : حصانة “للقتلة” في سجون الاحتلال: إجرام بن غفير يحوّل المعتقلات إلى منصات إعدام بطيء للأسرى الفلسطينيين