ترجمة عن افتتاحية صحيفة الغارديان

يوماً بعد يوم، يتصاعد عدد القتلى، وتتزايد جرائم الحرب، ويشتد الغضب الدولي. الأسبوع الماضي طالب البابا إسرائيل بوقف “العقاب الجماعي” ضد سكان غزة، بعده بيوم، حذّر أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، من أن “مستويات الموت والدمار غير مسبوقة في الأزمنة الحديثة”. أكثر من 500 موظف في الأمم المتحدة وقّعوا عريضة يطالبون فيها المفوض الأممي لحقوق الإنسان فولكر تورك بتوصيف ما يحدث في غزة بأنه إبادة جماعية. وفي الولايات المتحدة، نصف الناخبين المسجلين يقولون بالفعل إن ما تفعله إسرائيل في غزة هو جريمة إبادة جماعية.

المأساة تتعمق. يوم الجمعة أعلنت القوات الإسرائيلية أن مدينة غزة المنكوبة بالمجاعة باتت “منطقة قتال”، مكثّفةً هجومها وملغية “التوقفات التكتيكية” التي سمحت بمرور محدود للمساعدات الغذائية، رغم أنها لم تكن كافية بأي حال. كثير من السكان عاجزون جسدياً عن النزوح مجدداً، ويخشون أنهم لن يجدوا مأوى آمناً في أي مكان آخر. إسرائيل هاجمت أيضاً أجزاء من مناطق سبق أن صنفتها “مناطق إنسانية”.

كان بإمكان إسرائيل أن تنهي هذا السيل من الإدانات الدولية بالتوقف عن حملتها الهادفة إلى إبادة شعب غزة بصورة متعمدة، لكنها بدلاً من ذلك تحاول منع العالم من معرفة الحقيقة، عبر إسكات أولئك الذين يشهدون على ما يجري. إسرائيل مصممة على التحكم في سردية الحرب، حتى لو اضطرت إلى الذهاب لأبعد الحدود وأكثرها صدمة، مما جعل حربها الحالية أكثر الحروب دموية ضد الصحافة في التاريخ الحديث، وبحسب لجنة حماية الصحفيين (CPJ) فإن ما لا يقل عن 189 صحفياً فلسطينياً قتلوا في غزة، فيما تقديرات أخرى تضع العدد أعلى من ذلك، خمسة منهم قتلوا في ضربة واحدة الأسبوع الماضي.

في السياق ذاته، طالبت منظمة “مراسلون بلا حدود” (RSF) ومنظمة “آفاز” إسرائيل بالالتزام بالتزاماتها الدولية في حماية الصحفيين باعتبارهم مدنيين، وبفتح حدود غزة حتى يتمكن الصحفيون الدوليون من تغطية الأوضاع بحرية.

من جانبها نشرت صحيفة الغارديان أسماء كل من وثقت لجنة حماية الصحفيين مقتلهم: نساء ورجال مثل فاطمة حسونة، وحمزة الدحدوح، وأنس الشريف، الذين كانوا موضع تقدير لأعمالهم، وأحباء لذويهم كآباء، وأمهات، وأبناء، وأصدقاء. هذه خسارات شخصية عميقة، لكنها تمثل أيضاً جيلاً كاملاً من الصحفيين يُمحى ولا يمكن استبداله. المدير العام لـ”مراسلون بلا حدود”، تيبو بروتين، حذّر قائلاً: “بهذا المعدل الذي يُقتل فيه الصحفيون في غزة على يد الجيش الإسرائيلي، سيأتي وقت قريب لن تجدوا فيه أحداً ليبقيكم على اطلاع”.

عدد القتلى المدنيين في غزة صادم، لكن الصحفيين يتعرضون لخطر أكبر عندما يتجهون نحو مواقع الخطر للتغطية بينما يحاول الآخرون الفرار. لكن قتل هذا العدد الكبير من الصحفيين الذين عُرفوا بوضوح بأنهم يعملون في الإعلام، وفي حالات بعد أن تلقوا تهديدات بسبب عملهم أو تعرضوا لحملات تشويه، لا يترك مجالاً للشك بأنهم استُهدفوا عمداً. لجنة حماية الصحفيين تقول إن هذه “أكثر محاولة متعمدة ودموية لقتل وإسكات الصحفيين وثّقتها المنظمة على الإطلاق”، مؤكدةً أن “الصحفيين الفلسطينيين يتعرضون للتهديد المباشر، والاستهداف المتعمد، والقتل على يد القوات الإسرائيلية، ويُعتقلون ويُعذَّبون تعذيباً تعسفياً انتقاماً لعملهم”.

الصحفيون في غزة يعملون وسط ظروف لا تُطاق: جوع، إرهاق، انقطاع عن عائلاتهم، وانشغال بين لحظة وأخرى بالبحث عن الطعام لأطفالهم، أو حمل جثث من تحت الركام، أو مساعدة جرحى من أقاربهم في العثور على مأوى. كثيرون دفنوا أحبّتهم بأيديهم. ومع ذلك يواصلون عملهم، وهم يدركون أن شهادتهم تجعلهم أكثر عرضة للموت. ومع ذلك يستمرون، لأنهم يحمون الحقيقة من محاولات إسرائيل طمسها. هؤلاء يجب أن تتم حمايتهم.