كشفت صحيفة «الغارديان» البريطانية أن الإمارات أدت دوراً محورياً في نقل برنامج التجسس الإسرائيلي «بيغاسوس» إلى أجهزة أمنية في دول حليفة، عبر تمويل تكاليفه الباهظة وتقديمه بوصفه «هدية» لتعزيز قدراتها على المراقبة واختراق الهواتف.

وجاءت المعلومات ضمن تحقيق دولي جديد تناول استخدام السلطات المغربية لبرامج التجسس ضد صحفيين وحقوقيين ومعارضين ومسؤولين أجانب، استناداً إلى شهادة ضابط سابق في جهاز الاستخبارات الداخلية المغربية عُرف بالاسم المستعار «سفير»، إلى جانب وثائق وفحوص تقنية أجرتها مؤسسات إعلامية ومنظمة العفو الدولية.

عرض إماراتي فتح الطريق أمام المغرب

بحسب التحقيق، بدأ المغرب استخدام «بيغاسوس» عام 2017، عقب عرض تقني قدمته شركة مرتبطة بالإمارات إلى مسؤولي جهاز المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني.

وقال الضابط السابق إن الإمارات لم تكتفِ بالتوسط في توفير البرنامج، بل تكفلت بقيمة الاشتراك مرتفع التكلفة، وقدّمته إلى الأجهزة المغربية ضمن تعاون أمني وثيق بين أبوظبي والرباط.

ويشير ذلك إلى أن الإمارات لم تكن مجرد مستخدم للتكنولوجيا الإسرائيلية، بل تحولت إلى وسيط إقليمي لتوسيع انتشارها داخل أجهزة أمنية حليفة، بما يعزز نفوذها السياسي والاستخباري في المنطقة.

أداة إسرائيلية لاختراق الهواتف بالكامل

طورت شركة «إن إس أو غروب» الإسرائيلية برنامج «بيغاسوس»، الذي يتيح اختراق الهواتف المحمولة من دون علم أصحابها، والوصول إلى الرسائل والصور والمكالمات والموقع الجغرافي، فضلاً عن تشغيل الكاميرا والميكروفون عن بُعد.

وفي النسخ الأكثر تطوراً، يمكن إصابة الهاتف من دون أن يضغط صاحبه على أي رابط، عبر ثغرات تعرف بهجمات «النقرة الصفرية».

وتقول الشركة الإسرائيلية إن البرنامج مخصص لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، غير أن تحقيقات دولية وثقت استخدامه ضد صحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان ومحامين وسياسيين ومعارضين.

مراقبة صحفيين ومسؤولين أوروبيين

كشف التحقيق أن الاستخبارات المغربية استخدمت «بيغاسوس» ضمن منظومة مراقبة واسعة استهدفت شخصيات داخل المغرب وخارجه، بعد اللجوء أولاً إلى وسائل تجسس أقل تكلفة.

وشملت قائمة المستهدفين صحفيين ونشطاء حقوقيين ومعارضين مغاربة، إلى جانب سياسيين ومسؤولين أوروبيين، فضلاً عن أكثر من 200 رقم هاتف إسباني، من بينها أرقام مرتبطة برئيس الحكومة ووزراء ومسؤولين أمنيين خلال فترة توتر دبلوماسي بين الرباط ومدريد.

وسبق أن ظهرت أرقام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وعدد من أعضاء حكومته ضمن قوائم الاستهداف المحتملة المرتبطة بعملاء البرنامج، بينما نفت السلطات المغربية مراراً استخدامها «بيغاسوس» لأغراض تجسس غير مشروعة.

الإمارات مركز إقليمي للتجسس الإسرائيلي

ليست هذه أول مرة يرتبط فيها اسم الإمارات ببرنامج «بيغاسوس»، إذ كشفت تحقيقات سابقة عن استخدامها البرنامج لاستهداف معارضين وحقوقيين وصحفيين وشخصيات بريطانية، إضافة إلى أشخاص مقربين من الأميرتين لطيفة بنت محمد وهيا بنت الحسين.

كما أظهرت تسريبات سابقة ارتباط مشغلين من الإمارات بمئات أرقام الهواتف البريطانية، في حين اضطرت الشركة الإسرائيلية لاحقاً إلى تعطيل قدرة بعض عملائها على استهداف الأرقام البريطانية عقب تفجر فضائح التجسس.

وكانت جامعة كامبريدج قد أوقفت عام 2021 مفاوضات بشأن شراكة مع الإمارات بقيمة 400 مليون جنيه إسترليني، عقب تصاعد المخاوف بشأن استخدام أبوظبي برامج التجسس ضد شخصيات سياسية وحقوقية.

تعاون أمني يسبق التطبيع الرسمي

تشير تقارير سابقة إلى أن التعاون الإماراتي الإسرائيلي في تكنولوجيا المراقبة بدأ قبل الإعلان الرسمي عن اتفاق التطبيع عام 2020، وأن مسؤولين إسرائيليين ساعدوا في تسويق منتجات شركة «إن إس أو» إلى الإمارات ودول خليجية أخرى.

وبذلك أصبح «بيغاسوس» أحد أبرز نماذج التعاون الأمني المبكر بين أبوظبي وتل أبيب، إذ حصلت الإمارات على تكنولوجيا إسرائيلية متقدمة، ثم عملت، بحسب التحقيق الجديد، على نقلها وتمويلها لصالح أنظمة حليفة.

التطبيع يصدر أدوات القمع الإسرائيلي

تكشف هذه المعلومات وجهاً خطيراً للعلاقات الإماراتية الإسرائيلية؛ فالتعاون لم يقتصر على التجارة والسياحة والصفقات الدفاعية، بل امتد إلى تصدير أدوات مراقبة قادرة على اختراق الحياة الخاصة للصحفيين والمعارضين والحقوقيين.

ومن خلال تمويل «بيغاسوس» وتقديمه إلى أجهزة أمنية حليفة، أسهمت أبوظبي، وفق ما أورده التحقيق، في توسيع سوق التكنولوجيا الأمنية الإسرائيلية وتحويلها إلى أداة عابرة للحدود لمراقبة الأصوات المعارضة وقمعها.

ولم تنشر السلطات الإماراتية أو شركة «إن إس أو» رداً مفصلاً يؤكد أو ينفي رواية الضابط المغربي السابق بشأن تكفل أبوظبي بقيمة البرنامج، بينما واصلت السلطات المغربية نفي استخدامها «بيغاسوس» بصورة غير قانونية.