يقول الصحفي البريطاني سايمون تيسدال إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يقدّم نفسه كأنه حاكم العالم الفعلي، وصاحب الكلمة الفصل في الحرب والسلام، مما يعزز أوهام الهيمنة الأمريكية المطلقة و«الحق الإلهي» في تقرير مصير العالم. غروره دفعه إلى التعهد قبل توليه الرئاسة بإنهاء حرب أوكرانيا والحرب على غزة بسرعة، وربما كان يصدق أنه قادر على ذلك، لكن بعد ثمانية أشهر من تولي الحكم حدث العكس تمامًا. الأزمتان تتسعان وتتصاعدان، وانكشفت حقيقة ضعفه وسقطت صورة «الرجل القوي» التي روّج لها، وأصبح واضحًا أنه ساهم في تأجيج الأزمتين من خلال استرضاء أبرز من يقف وراءهما: الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
يرى تيسدال -في مقاله الأحدث في الغارديان– أن توغلات الطائرات المسيّرة الروسية المتكررة داخل أراضي بولندا العضو في حلف شمال الأطلسي، والتي وصفتها وارسو بأنها متعمدة، تهدد بجرّ أوروبا إلى حرب شاملة، كما أن الغارة الجوية الإسرائيلية غير القانونية على الدوحة التي استهدفت فريق التفاوض الفلسطيني نسفت مسار السلام في غزة ورفعت مستوى التوتر الإقليمي. كلا الحدثين، بحسب تيسدال، يعكسان ضعف الولايات المتحدة الذي يتمثل في ضعف ترامب تحديدًا، إذ يبالغ في استعراض القوة أمام أهداف سهلة بينما ينهار أمام خصومه الحقيقيين.
يوضح الكاتب أن بوتين ونتنياهو أدركا منذ زمن أن ترامب ضعيف وسهل التلاعب، فيغدقان عليه المديح، ويكذبون عليه بشأن رغبتهم في السلام، ويمنحونه انتصارات وهمية، ثم يعودون إلى ديارهم لمواصلة التصعيد كما حدث مع بوتين بعد قمة ألاسكا الأخيرة. وعندما اتصل ترامب غاضبًا بعد غارة نتنياهو على الدوحة ليعبّر عن «عدم رضاه»، بدا ضعيفًا وتم تجاهله تمامًا. وبدلًا من أن يسهم في إنهاء الحربين، أصبح عقبة كبرى أمام السلام، إذ إن تدخّلاته المتسرعة واستعراضه وانحيازه تطيل أمد النزاعين وتضاعف معاناة المدنيين.
يشير تيسدال إلى أن افتقار ترامب للقيادة والنزاهة والمنطق يصدم الأوروبيين الذين اعتادوا التعامل مع رؤساء أمريكيين أكثر كفاءة واتزانًا، كما أن عداءه للاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي وحروبه الجمركية ومناوراته المناهضة للديمقراطية أضعفت وحدة الغرب وثقته بنفسه، ومنحت الأنظمة الاستبدادية دفعة جديدة. بوتين تصرف على هذا الأساس، فالتوغلات الأخيرة بالطائرات المسيّرة في بولندا كانت اختبارًا محسوبًا لوحدة الحلف وردود فعله، وقد سُرّ بوتين بنقاط الضعف التي كشفها وبردود الفعل السياسية المتباينة. أما ترامب فصمته لافت للنظر، لم يقل شيئًا ولم يفعل شيئًا، ولن يعترف بأن خضوعه المهين لبوتين قد انقلب عليه، ولا يملك الشجاعة لمواجهته الآن، فيحصل بوتين على «مرور مجاني» مرة أخرى.
ويضيف الكاتب أن الدول الأوروبية يجب أن تكف عن انتظار ترامب وأن تتصرف، بفرض منطقة حظر طيران فوق الأجزاء غير المحتلة من أوكرانيا، وتوسيع الدعم العسكري، ووقف استيراد الطاقة الروسية، ومصادرة الأموال الروسية المجمّدة، ومعاقبة البنوك المتعاونة مع موسكو وبكين، وتخفيض أو قطع العلاقات الدبلوماسية مع النظام الروسي، وأن تكون مستعدة للرد عسكريًا إذا لزم الأمر، لأن انتظار ترامب أشبه بانتظار السراب. أما في الشرق الأوسط، فيقول تيسدال إن القادة العرب مطالبون بكسر تبعيتهم للولايات المتحدة بعدما جلس ترامب متفرجًا بينما قصف نتنياهو الدوحة حليفة واشنطن، ونسف مسار السلام في غزة. ويؤكد أن على واشنطن وقف تسليح إسرائيل وتجميد المساعدات المالية وفرض عقوبات ودعم ملاحقة قادتها بتهم جرائم حرب والاعتراف بدولة فلسطين، لكن ترامب، برأيه، «ليس رئيسًا طبيعيًا» بل شخص خارج قدراته، فاشل وضعيف.
ويختتم تيسدال بالتحذير من أن العالم يتجه إلى فوضى متسارعة إذا استمر الغرب في التردد والتخاذل أمام العدوان الروسي والإسرائيلي، وأن على الدول الديمقراطية أن تتّحد وتوقف الحربين بكل الوسائل الممكنة، بما في ذلك القوة العسكرية، لأن انتظار قيادة أمريكية من ترامب “ضرب من الوهم”.