في شوارع مصر، لم تعد الأزمة مجرد أرقام وتقارير اقتصادية باردة، بل تحولت إلى مشهد يومي ينطق بالبؤس، شعب بأكمله يتأرجح بين الفقر المدقع، والخوف من انفلات أمني بات واقعا في ظل تمدد عصابات البلطجة وانتشار المدمنين بالشوارع.
مشاهد تعكس الانهيار الاجتماعي الكامل الذي تعيشه مصر تحت حكم عبد الفتاح السيسي، الذي جر البلاد إلى قاع لم تعرفه حتى في أسوأ مراحلها التاريخية.

صوت الشارع: استغاثات وجوع ومهانة
خلال الأسابيع الأخيرة، ضجّت مواقع التواصل بمقاطع مصورة من قلب الأحياء الشعبية، تكشف عن حجم المعاناة، ملثمون مدججون بالسلاح يطلقون النار عشوائيًا في أزقة ضيقة بلا وجود للأمن.
شباب يحاولون الانتحار من فوق المساجد، وأمهات تلطم خدودها باكية من شدة الغلاء والجوع، مشاهد لم تعد غريبة، بل أصبحت روتينًا مألوفًا في يوميات المصريين.
ورغم اختلاف الطبقات الاجتماعية، اتحد الجميع في الشكوى من الغلاء الطاحن، والفقر المتفشي، والعجز عن تأمين أساسيات الحياة، من طعام وعلاج وسكن وتعليم. حتى الأطباء حديثو التخرج، الذين كان يُفترض أن يكونوا جزءًا من النخبة، أصبحوا اليوم يعترفون بعجزهم عن الزواج أو تأسيس حياة كريمة.
الأمر لم يقف عند حدود الفقر فحسب، بل تفاقم مع ظهور جيوش من المشردين، ومتعاطي المخدرات، والمسجلين خطر، يسيطرون على المشهد اليومي في الميادين والمناطق الشعبية، ما جعل حياة المواطن العادي مهددة بين الجوع والخوف.
اقتصاد منهار.. وشعب مسحوق
الأرقام تؤكد المأساة، ديون خارجية تتجاوز 160 مليار دولار، وخدمة دين تبتلع جزءًا ضخمًا من ميزانية الدولة، ما دفع السيسي إلى تبني سياسات تقشف قاسية، شملت رفع أسعار الوقود بنسبة قاربت 40% في أبريل الجاري، وتخفيض الدعم بشكل كبير، وبيع أصول الدولة لسد العجز.
في ظل هذا الانهيار الاقتصادي، باتت الأسرة المصرية تحتاج إلى 7500 جنيه شهريًا فقط للطعام، دون احتساب مصاريف التعليم والدواء والسكن والمواصلات، في بلد لا يتجاوز فيه متوسط الرواتب 4 آلاف جنيه.
انخفضت نسبة الدعم من الناتج المحلي الإجمالي من 9.7% عام 2014 إلى 3.7% فقط في 2025، فيما تفاقمت معدلات الفقر وفق تقديرات البنك الدولي، ليدخل أي مصري يقل دخله عن 10 آلاف جنيه شهريًا تحت خط الفقر العالمي الجديد.
ومع غياب بيانات رسمية حديثة عن نسب الفقر والبطالة، بسبب خوف النظام من الكشف عن حجم الكارثة، يعتمد المصريون على شواهد حياتهم اليومية: طوابير البطالة، وأحياء بأكملها غارقة في الفقر، وشباب يغامرون بالموت في البحر هربًا من جحيم الداخل.
تفكك أمني.. والمخدرات سيدة الشارع
في مشهد موازٍ، تنهار مظلة الأمن تدريجيًا. قضايا البلطجة والمخدرات لم تعد حوادث فردية، بل ظواهر منتشرة في كل أرجاء مصر. انتشار المخدرات الرخيصة المصنعة محليًا مثل “الاستروكس” و”الشابو”، وتحول المناطق الشعبية إلى مصانع سرية للمخدرات، كلها تعكس غيابًا تامًا لدور الدولة الأمني والاجتماعي.
وتحولت “دواليب المخدرات” المنتشرة أسفل الكباري إلى مشاهد يومية، حيث يتجمع الشباب في وضح النهار للحصول على حصصهم، بلا خوف أو رادع. أما البلطجية، فقد أصبحوا جزءًا من مشهد الحياة اليومية، في ظل عجز الأجهزة الأمنية عن مواجهتهم أو، كما يعتقد البعض، توظيفهم ضمن سياسة الترهيب والسيطرة على الشارع.
لا يمكن فصل هذا الانفلات الأمني عن طبيعة نظام السيسي الذي أعاد ترتيب أولويات الأجهزة الأمنية، فصار الأمن السياسي هو الهدف الأسمى، أما الأمن الجنائي فأصبح آخر اهتمامات الدولة، إن لم يكن وسيلة لإبقاء الشعب في حالة خوف دائم.
غياب المجتمع المدني.. ومنع أي إنقاذ
المجتمع المدني الذي كان يمكن أن يكون طوق نجاة للمصريين، تم تجريفه بقرار من السلطة، الجمعيات الخيرية الحقيقية أُغلقت أو جُمدت، وأُبقي على جمعيات تابعة للنظام لا هم لها سوى جمع التبرعات لخدمة أجندات سياسية أو تلميع صورة الحكم الفاشل.
في الماضي، كانت مؤسسات المجتمع الأهلي، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، تلعب دورًا حاسمًا في التماسك الاجتماعي ودعم الطبقات الفقيرة، من خلال الجمعيات والمدارس والمستشفيات. أما اليوم، ومع تغييب هذه القوى، وجد المجتمع نفسه مكشوفًا وعاريًا أمام أهوال الجوع والفقر والجريمة.
السيسي: المسؤول الأول عن مأساة مصر
لا يمكن الحديث عن هذه الكارثة دون تحميل السيسي ونظامه كامل المسؤولية. السياسات الاقتصادية الكارثية، الاعتماد الأعمى على الديون، سحق الطبقة الوسطى، تجريف الحياة السياسية، تفكيك المجتمع المدني، وإهمال الأمن الداخلي، كلها كانت قرارات متعمدة أفضت إلى ما نحن فيه.
بدلًا من إصلاح الاقتصاد الحقيقي، ركّز النظام على مشروعات استعراضية لا جدوى لها، ومواكب احتفالية لا تطعم جائعًا ولا تؤمّن خائفًا. ومع الانشغال ببناء قصور رئاسية ومدن جديدة للأثرياء، تُركت غالبية الشعب تصارع الجوع، والخوف، واليأس.
نهاية مفتوحة.. وغضب مكبوت
مصر اليوم تقف على مفترق طرق خطير، مجتمع مقهور يئن تحت وطأة الفقر والقمع، وأزمة اجتماعية تتفاقم مع كل يوم جديد. المخدرات، البلطجة، الجريمة، الانتحار الجماعي، كلها مجرد أعراض لمرض خطير أصاب الجسد المصري.
وفي حين يتحدث النظام عن “الجمهورية الجديدة”، لا يرى المصريون سوى جوع جديد، وفقر جديد، وخوف جديد. ورغم القمع ومحاولات الإلهاء، يبقى الغضب يتراكم تحت السطح، بانتظار لحظة انفجار قد تعيد رسم المشهد من جديد.
اقرأ أيضًا : سلاح التجويع الإسرائيلي.. جريمة مكتملة بتواطأ من حكومة السيسي