في مشهد أثار غضب الفلسطينيين والعالمين العربي والإسلامي، شارك رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، رفقة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، في افتتاح نفق تهويدي جديد أسفل مدينة القدس المحتلة، يربط حي سلوان بالمنطقة المحيطة بالمسجد الأقصى المبارك. 

هذه الخطوة التي جرت بإشراف منظمة “العاد” الاستيطانية المتطرفة، تكشف عن تسارع غير مسبوق في مشروع تهويد المدينة المقدسة وتقويض هويتها العربية والإسلامية، وسط دعم أمريكي معلن وتجاهل صارخ للقوانين الدولية.

نفق “طريق الحجاج”.. مسار تهويدي بواجهة سياحية

أطلق الاحتلال على النفق اسم “طريق الحجاج”، زاعماً أنه يمثل مساراً تاريخياً يعود إلى الحقبة الرومانية ويقود إلى “الهيكل المزعوم”. يبلغ طول النفق نحو 600 متر، وامتد حفره من وادي حلوة في سلوان مروراً أسفل منازل الفلسطينيين وأسوار البلدة القديمة وصولاً إلى أساسات حائط البراق، على بعد أمتار قليلة من المسجد الأقصى. وبتكلفة بلغت نحو 50 مليون شيكل (15 مليون دولار)، موّلت حكومة الاحتلال المشروع ونفذته سلطة الآثار لصالح جمعية “العاد”، التي تنشط منذ سنوات في الاستيلاء على منازل الفلسطينيين وتحويلها إلى بؤر استيطانية ومواقع سياحية تخدم الرواية الصهيونية.

ورأى مراقبون أن مشاركة روبيو، وهو من أبرز رموز التيار المسيحي الصهيوني في الولايات المتحدة، تمثل اعترافاً أمريكياً فعلياً بالسيادة الإسرائيلية على أكثر المناطق حساسية في القدس، في تناقض صارخ مع الموقف الرسمي الأمريكي المعلن منذ عام 1967، الذي يفترض أن يعتبر القدس الشرقية أرضاً محتلة تخضع للتفاوض.

جذور الحفريات.. من هدم حارة المغاربة إلى الحفر تحت الأقصى

ليست هذه الحفريات جديدة، بل هي امتداد لمسار بدأ منذ احتلال القدس الشرقية عام 1967، عندما هدم الاحتلال حي المغاربة الملاصق لحائط البراق بالكامل لفتح ساحة أمام المستوطنين وقواته، وجعل باب المغاربة المدخل الرئيس إلى الأقصى. منذ ذلك الحين، تكثفت أعمال الحفر بحثاً عن آثار مزعومة تدعم سردية “الهيكل الأول والثاني”، تحت إشراف وزارة الآثار الإسرائيلية وبالتعاون مع منظمات صهيونية متطرفة.

بلغت ذروة هذه الأعمال عام 1981، حين وصلت الحفريات إلى مسافة 100 متر داخل الأقصى من جهة سبيل قايتباي، ما فجّر مواجهات عارمة مع الفلسطينيين. ورغم إدانات دولية متكررة، لم تتوقف آلة الحفر التي تسببت في انهيارات متكررة، أبرزها انهيار الطريق المؤدي إلى باب المغاربة عام 2004، قبل أن تتحول هذه الحفريات إلى معالم سياحية ربحية بدءاً من 2007، تبث عبر الإنترنت كوسيلة دعائية للمستوطنين.

تهديدات هيكلية ومخاطر حقيقية

بحسب مؤسسة القدس الدولية، هناك 64 نفقاً وحفراً تحت وحول المسجد الأقصى حتى عام 2017، تمتد مئات الأمتار في عمق الأرض وتشكل خطراً مباشراً على أساسات الحرم القدسي والمباني المحيطة به. وأفاد مركز وادي حلوة بأن الحفريات المتواصلة منذ أكثر من 13 عاماً أدت إلى تصدعات واسعة وانهيارات أرضية في حي وادي حلوة، شملت الشارع الرئيسي والمسجد وروضة الأطفال، وتضرر أكثر من 80 منزلاً، بينها خمسة منازل صنفتها بلدية الاحتلال “خطرة” بعد تضرر أساساتها.

هذه الأنفاق لا تهدد فقط المعالم الإسلامية والمسيحية في القدس، بل تُستخدم أيضاً كأداة لعزل الأحياء الفلسطينية وفصلها جغرافياً عن المسجد الأقصى، بما يضعف حضور الفلسطينيين ويفسح المجال أمام مشروع “القدس الموحدة تحت السيادة الإسرائيلية” الذي يروّج له نتنياهو علناً.

نبوءات توراتية وتمويل إنجيلي

تستند هذه المشاريع إلى أيديولوجيا دينية يروج لها حاخامات وجماعات متطرفة، أبرزها “مؤسسة جبل الهيكل”، التي ترى في إعادة بناء “الهيكل الثالث” شرطاً لعودة “المسيح المنتظر” وفق نصوص من سفر دانيال وحزقيال. وتعمل هذه الجماعات على إنشاء “حدائق توراتية” ومتاحف أثرية في سلوان بهدف إحلال الرموز اليهودية محل المعالم الإسلامية والعربية في المدينة.

ويحظى هذا التوجه بدعم واسع من جماعات إنجيلية أمريكية مثل “مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل” (CUFI) و”السفارة المسيحية الدولية” (ICEJ)، التي جمعت عشرات ملايين الدولارات لتمويل مشاريع الحفر والتهويد. ووفق صحيفة “هآرتس”، تجاوزت تبرعات هذه الجماعات 65 مليون دولار بحلول 2018، ما يعكس حجم النفوذ الإنجيلي في رسم سياسات واشنطن الداعمة للاحتلال.

خرق للقوانين الدولية وصمت دولي مريب

تمثل هذه الحفريات انتهاكاً صريحاً لاتفاقية لاهاي لعام 1954 بشأن حماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة، ولقرارات اليونسكو التي أكدت الطابع الإسلامي للحرم القدسي ورفضت أي تغيير للوضع القائم فيه. ورغم إدانات اليونسكو والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، لم تتخذ أي خطوات عملية لوقف الحفريات التي تقوض هوية القدس التاريخية وتهدد بانهيارات كارثية في محيط الأقصى.

وفي ظل التواطؤ الأمريكي والصمت الدولي، تمضي إسرائيل في مشروعها لخلق “فضاء تحتي يهودي” أسفل الأقصى، يروّج لروايتها التوراتية ويقوّض كل مقومات الوجود الفلسطيني في المدينة المحتلة.

اقرأ أيضا : سجون الموت في الفاشر.. كيف ترعى الإمارات آلة القمع الخفية في دارفور؟