في تصعيد ميداني لافت يكشف عن تطور تكتيكات المقاومة الفلسطينية، أعلنت كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، عن تنفيذ سلسلة من الكمائن المحكمة ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي جنوب قطاع غزة، أسفرت عن مقتل وجرح عدد من جنود الاحتلال.
ورغم التكتم الإسرائيلي على الخسائر، فإن تفاصيل العملية التي كشفت عنها “القسام” تُشير إلى ضربة نوعية تلقاها الجيش الإسرائيلي في منطقة خان يونس، تؤكد فشل الرواية الرسمية الإسرائيلية حول بسط السيطرة، وتُظهر أن المقاومة لا تزال قادرة على إحداث خسائر فادحة رغم كل الضغوط العسكرية والسياسية.
تفاصيل العملية: نفق مفخخ وعبوات ضد الجرافات
في بيان عسكري، أوضحت كتائب القسام أن مقاتليها استدرجوا قوة إسرائيلية إلى فتحة نفق مفخخ في منطقة قيزان النجار جنوب خان يونس، حيث نزل الجنود إلى داخل النفق قبل أن يتم تفجيره بعدة عبوات ناسفة. وأكد البيان أن العملية أسفرت عن وقوع أفراد القوة بين قتيل وجريح.
ولم تكن هذه الضربة الوحيدة في تلك المنطقة، إذ أعلنت القسام عن تفجير ثلاث عبوات شديدة الانفجار في جرافتين من نوع D9 خلال اليوم نفسه، مشيرة إلى أن مقاتليها استهدفوا كذلك ثلاث جرافات باستخدام قذائف “الياسين” وعبوات “شواظ” و”برميلية” في نفس المنطقة.
وتُعد هذه التكتيكات تطورًا في حرب الاستنزاف التي تخوضها المقاومة، عبر استخدام الألغام الموجهة ضد الآليات الثقيلة في محاور التوغل الإسرائيلي.
وقبل أيام، أعلنت القسام عن تفجير منزل مفخخ في قوة خاصة إسرائيلية تسللت شرق مدينة رفح، وتحديدًا في منطقة أبو الروس، ما أدى إلى مقتل وجرح عدد من الجنود، في ضربة مباشرة هي الأولى منذ خرق الاحتلال لاتفاق التهدئة واستئناف عدوانه على القطاع.
المقاومة مستمرة.. وحكومة نتنياهو في مأزق
ما يميز العمليات الأخيرة أنها جاءت متزامنة مع حالة تصعيد غير معلنة من الاحتلال، يُحاول من خلالها تثبيت إنجاز ميداني بعد فشل عملياته في خان يونس ورفح منذ أشهر.
إلا أن تكتيك “الكمائن” الذي تستخدمه المقاومة، وتحديدًا كتائب القسام، يُعيد خلط الأوراق، ويبعث برسالة واضحة مفادها أن المقاومة لا تزال تحتفظ بمفاجآت تكتيكية مؤلمة، وأنها قادرة على استنزاف الاحتلال في كل مرحلة توغل جديدة.
غياب الرد الإسرائيلي الرسمي على هذه العمليات، يعكس إحراجًا لدى قيادة الجيش والحكومة، خاصة أن هذه الضربات تأتي في وقت تعاني فيه حكومة بنيامين نتنياهو من أزمة داخلية خانقة، وتعرضها لانتقادات لاذعة من عائلات الجنود الأسرى والمجتمع الدولي على خلفية العدوان المستمر على غزة.
ويبدو أن تكتيك التعتيم الإعلامي بات نهجًا متكررًا لدى جيش الاحتلال لتجنب تآكل معنويات الجنود والمجتمع الإسرائيلي. إلا أن بيانات القسام، المتكررة والدقيقة، تُرغم وسائل الإعلام الإسرائيلية على الإقرار الضمني بوجود خسائر، خاصة في ظل تأخر عودة بعض الجنود وانتشار أخبار الحداد في بعض المناطق.
في المقابل، تُؤكد المقاومة من خلال هذه الضربات أن قرارها الاستراتيجي هو مواصلة القتال مهما بلغت الضغوط، سواء من الحصار المشدد، أو من المبادرات الدولية التي تربط التهدئة بشروط من بينها نزع السلاح. وهو ما يُشكل خطًا أحمرًا لدى كل فصائل المقاومة، وليس فقط حماس.
نفق خان يونس ليس النهاية
ما جرى في خان يونس ورفح خلال الأيام الماضية، لا يُمكن قراءته فقط كحدث عسكري، بل كرسالة استراتيجية تؤكد أن المقاومة الفلسطينية تتحرك وفق خطط مدروسة، وأنها تعي تمامًا نقاط ضعف جيش الاحتلال.
أما حكومة نتنياهو، فتبدو عاجزة عن تقديم “نصر سياسي أو عسكري” يُرضي الرأي العام، في ظل تكشف ضعف قدراتها الميدانية وتآكل ثقة الشارع بها.
وفي ظل غياب أي أفق سياسي حقيقي للحل، ومع فشل كل محاولات نزع سلاح المقاومة أو تحييدها، يُتوقع أن تستمر هذه العمليات بوتيرة متصاعدة، وبأدوات أكثر إيلامًا، لتبقي “المعركة تحت الأرض” عنوانًا رئيسيًا للمرحلة القادمة في مواجهة طويلة لا تزال مفتوحة على كل الاحتمالات.
اقرأ أيضًا: تصعيد قمعي واسع في مصر: الموت في الزنازين والانتحار في صمت