في سابقة خطيرة وغير مسبوقة، تقف دولة الإمارات العربية المتحدة اليوم على أعتاب مواجهة تاريخية أمام محكمة العدل الدولية، بعد أن قرر السودان مقاضاتها بتهمة التواطؤ في ارتكاب إبادة جماعية ضد قبيلة المساليت في إقليم دارفور.

القضية التي تم رفعها رسميًا في مارس 2025، لا تتعلق باتهامات إعلامية أو دعاوى سياسية عابرة، بل تستند إلى أدلة موثقة، وتقارير أممية، وشهادات ناجين وناشطي حقوق إنسان، وملفات رسمية تثبت ضلوع النظام الإماراتي في تسليح وتمويل قوات الدعم السريع، المتهمة بارتكاب جرائم مروعة في غرب السودان منذ اندلاع الحرب الأهلية في أبريل 2023.

فكيف وصلت الإمارات إلى قفص الاتهام الدولي؟ ما طبيعة الأدلة التي تواجهها؟ وما مدى احتمالية إدانتها؟ هذا التقرير يقدم سردًا تفصيليًا للقصة الكاملة.

ما القضية؟

في 4 مارس 2025، تقدم السودان بشكوى رسمية إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي ضد دولة الإمارات، يتهمها فيها بأنها:

•قدّمت دعمًا عسكريًا مباشرًا وغير مشروع لقوات الدعم السريع، بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)،

•وأن هذا الدعم ساعد في ارتكاب جرائم إبادة جماعية وتطهير عرقي وجرائم ضد الإنسانية بحق سكان إقليم دارفور، وخاصة قبيلة المساليت في مدينة الجنينة.

السودان، رغم أنه يشهد حربًا داخلية دامية، قرر أن يوجه الاتهام إلى دولة عضو في جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي، حليفة لعدد من القوى الدولية الكبرى، ويملك بذلك سابقة تاريخية تُدخل الإمارات في مرمى المحاسبة القانونية على جرائم دولية جسيمة.

ماذا حدث في دارفور؟

منذ اندلاع الصراع بين الجيش السوداني وميليشيات الدعم السريع الإرهابية في أبريل 2023، تحولت ولاية غرب دارفور، وخاصة مدينة الجنينة، إلى مسرح لواحدة من أكثر المجازر وحشية في السنوات الأخيرة.

تقارير الأمم المتحدة، وهيئات حقوق الإنسان، ومنظمة العفو الدولية، وثقت جميعها:

•قتل أكثر من 10,000 مدني خلال أشهر قليلة.

•اغتصاب مئات النساء والفتيات.

•حرق القرى بالكامل ونهب الممتلكات وتهجير أكثر من نصف مليون شخص.

•استهداف ممنهج لأفراد قبيلة المساليت على أساس عرقي.

منفذو هذه الجرائم بحسب الوثائق هم قوات الدعم السريع وميليشيات عربية حليفة لها. ولكن من الممول؟ ومن يدعم هذا الوحش؟

هنا تظهر أبوظبي.

ما علاقة الإمارات بهذه الجرائم؟

ليست المسألة هنا مجرد اتهامات عابرة، بل توثيق متكامل لسنوات من الدعم:

•تقارير استخبارات غربية وأفريقية مدعومة بوثائق وأدلة مادية وصور ومقاطع مصورة، أكدت أن الإمارات قدمت أسلحة نوعية وذخائر متقدمة لقوات الدعم السريع عبر طرق تهريب تمر عبر ليبيا وتشاد.

•الصحافة الدولية، من “فايننشال تايمز” إلى “ليبراسيون” الفرنسية، تحدثت عن طائرات شحن إماراتية تهبط في مطارات سرية، محمّلة بالأسلحة الموجهة إلى قوات حميدتي.

•الأمم المتحدة نفسها، في تقرير لجنة الخبراء بشأن السودان، أشارت إلى وجود “طرف خليجي” يُزود قوات الدعم السريع بالمعدات رغم الحظر.

كل هذه الأدلة أدرجها الفريق القانوني السوداني ضمن ملف الدعوى، مع توضيح أن الدعم الإماراتي لم يكن “محايدًا”، بل دعمًا انتقائيًا لطرف ارتكب إبادة جماعية على أسس إثنية.

ما هي التهم التي تواجهها الإمارات؟

وفقًا لنص الدعوى المقدمة، فإن النظام الإماراتي يُواجه تهمًا بموجب:

•اتفاقية منع ومعاقبة جريمة الإبادة الجماعية (1948)، وهي اتفاقية دولية ملزمة وقّعت عليها الإمارات.

•مبادئ القانون الدولي الإنساني، التي تُجرّم تمويل وتسليح جهات معروفة بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

•خرق التزاماتها بموجب ميثاق الأمم المتحدة، من خلال دعم طرف مسلح في نزاع داخلي، على نحو يزعزع الأمن الإقليمي والدولي.

من الأطراف التي تقود المساءلة؟

الفريق القانوني السوداني يُنسّق مع عدد من الجهات:

•محامون دوليون متخصصون في القانون الإنساني الدولي.

•ضحايا وناجون من المجازر في الجنينة ونيالا وزالنجي، الذين قدموا شهادات مباشرة.

•منظمات حقوقية مستقلة، من بينها هيومن رايتس ووتش، ومنظمة العفو الدولية، اللتان قدمتا تقارير تدعم ادعاءات الدعوى.

ما رد الإمارات؟

النظام الإمارتي الذي يعيش حالة صدمة حتى الآن، يتعامل بصمت رسمي، لكنه يقوم بتحركات دبلوماسية واسعة خلف الكواليس لاحتواء الأزمة. تشير التسريبات إلى أن:

•أبوظبي تعمل على تجنيد منظمات حقوقية أفريقية لتشتيت التركيز داخل مجلس حقوق الإنسان، وتشويه سمعة الحكومة السودانية.

•الإمارات تضغط على دول إفريقية وعربية للضغط على الجيش السوداني لسحب الدعوى، مستخدمة ورقة الاستثمارات والمساعدات.

•تحاول أيضًا تقديم رواية بديلة تزعم أنها لم تدعم “مجرمي حرب”، بل قدمت مساعدات إنسانية فقط – وهي حجة ضعيفة أمام الكم الهائل من الوثائق العسكرية والتقارير الأممية.

ماذا بعد؟ هل سيتم إدانة الإمارات؟

المسار القانوني أمام محكمة العدل الدولية طويل ومعقد، لكنه هذه المرة لا يستهدف مليشيا أو فردًا، بل دولة عضو في المجتمع الدولي، ويستند إلى:

•انتهاك مباشر لاتفاقية دولية.

•أدلة مادية وشهادات تؤكد علم الإمارات بجرائم الدعم السريع واستمرارها بالدعم رغم ذلك.

حتى لو لم تُصدر المحكمة حكمًا بالإدانة سريعًا، فإن مجرد مثول الإمارات أمام المحكمة بهذا النوع من القضايا يضرب سمعتها الدولية ويضعها في خانة الدول المتورطة في جرائم جماعية.

الخلاصة: الإمارات في القفص.. وهذه المرة لن تُفلِت بسهولة

ما يواجهه النظام الإماراتي الآن ليس “حملة إعلامية”، بل قضية قانونية دولية جدية قد تضعه في مصاف الأنظمة التي ارتكبت جرائم ضد الإنسانية.

بعد سنوات من تمويل الحروب وتغذية الانقلابات وشراء الولاءات، ها هي أبوظبي تواجه أول اختبار دولي حقيقي، هذه المرة ليس في البيانات، بل في قاعة محكمة، وبأدلة وشهادات ودماء لا يمكن تبييضها بالاستثمارات.

إنها لحظة الحقيقة. فإما أن ينتصر القانون، أو تنهار منظومة العدالة الدولية أمام المال السياسي والمصالح.