الهجوم الأخير الذي شنّه التلفزيون الجزائري الرسمي على النظام الإماراتي لم يكن مفاجئًا، ولا يُمكن التعامل معه كحادثة منفصلة عن السياق العام. فالعلاقات بين البلدين تسير منذ سنوات في مسار متوتر يتدرج من التجسس إلى التحريض الإعلامي، ومن التصويت ضد الجزائر في المحافل الدولية إلى محاولات التأثير على وحدتها الداخلية. الجديد فقط هو أن الجزائر قررت أن ترد بصوت عالٍ على ما كان يُدار في الخفاء.ذ
تفجّرت الأزمة الأخيرة بعد بث قناة “سكاي نيوز عربية”، التابعة لحكومة أبو ظبي، مقابلة مع المؤرخ الجزائري محمد الأمين بلغيث، وصف خلالها الأمازيغية بأنها مشروع فرنسي صهيوني لتقسيم المنطقة. لم يكن هذا مجرد رأي فردي، بل جاء من منصة إعلامية مملوكة للإمارات، ويُعبّر عن توجه سياسي مقصود يستهدف ضرب أحد أهم أركان الهوية الجزائرية كما يقرّها الدستور.
الرد الجزائري لم يصدر عن صحيفة مستقلة ولا عن معلق سياسي، بل جاء عبر التلفزيون الرسمي التابع لرئاسة الجمهورية، وصف الإمارات بأنها “دويلة مصطنعة” و “مصنع للفتن”، واتهمها بتحويل مؤسساتها الإعلامية إلى مصانع للفتنة والسموم، واستغلال من وصفتهم الجزائر بـ”تجار الأيديولوجيا” لإثارة النزعات العرقية في البلاد. كان الاتهام صريحًا، وموجهًا مباشرة للإمارات بأنها تقف وراء هذا التحريض الممنهج، في إطار مشروع يهدف لتقويض استقرار الجزائر.
جاء في البيان أن “التحريض الإعلامي الذي يمسّ هوية الشعب الجزائري لن يمر دون محاسبة أخلاقية وشعبية”، وأن الجزائر التي “قدمت ملايين الشهداء لا تقبل المساس بوحدتها ولا بأسس هويتها”. وأضاف: “اليد التي تمتد تُقطع، واللسان الذي يطلق يُقلع”. واختُتم البيان برسالة مباشرة إلى أبو ظبي مفادها أن الجزائر لن تنسى ما قدمته للإمارات منذ تأسيسها، ولكنها سترد الصاع صاعين.
هذا التصعيد لم يكن الأول، ففي سبتمبر/أيلول 2024 وصفت صحيفة “الخبر” الجزائرية السفير الإماراتي يوسف سيف خميس سباع آل علي بأنه “شخص غير مرغوب فيه”، واتهمته بالتآمر على الدولة الجزائرية، ورفع تقارير مغلوطة للقيادة في أبو ظبي، وتوتير العلاقات الثنائية بشكل متعمد، كما نقلت الصحيفة أن تصرفاته تمثل سببًا رئيسيًا في 80% من المشاكل بين البلدين. كما اتُّهم السفير بمخالفة الأعراف الدبلوماسية، وترويج صورة مشوهة عن الجزائر في الدوائر الخليجية.
وفي يونيو/حزيران 2023، اتهمت وسائل إعلام جزائرية الإمارات بدعم المغرب بتقنيات تجسس إسرائيلية استُخدمت لاختراق هواتف مسؤولين وصحفيين جزائريين، كما نقلت قناة “النهار” عن مصادر أن الجزائر طردت السفير الإماراتي ومنحت طاقمه 48 ساعة للمغادرة، بعد اعتقال أربعة جواسيس إماراتيين يعملون لصالح الموساد، وفي أغسطس/آب 2023، أوردت صحيفة “الشروق” أن مسؤولين جزائريين رصدوا “تحركات مشبوهة” للملحق العسكري في سفارة الإمارات، مما زاد الشكوك حول النشاط الإماراتي في الجزائر.
السياق الإقليمي زاد من تعقيد العلاقة بين البلدين، فالجزائر تتخذ موقفًا حادًا ضد التطبيع مع إسرائيل، بينما تلعب الإمارات دورًا رئيسيًا في ترسيخ وجود الاحتلال في المنطقة، ليس فقط عبر توقيع اتفاقيات “أبراهام”، بل بمحاولات مستمرة للضغط على دول رافضة، مثل الجزائر، للسير في نفس الاتجاه. هذا التوتر تفاقم حين دعمت الإمارات انضمام المغرب إلى قطار التطبيع، وافتتحت قنصلية لها في مدينة العيون المتنازع عليها، في تحدٍ واضح لموقف الجزائر من قضية الصحراء الغربية، حيث زاد الاصطفاف الإماراتي إلى جانب المغرب من الفجوة، خاصة بعد أن افتتحت أبو ظبي قنصلية في مدينة العيون المحتلة سنة 2020، دعماً لسيادة المغرب على الإقليم، في وقت تحتضن فيه الجزائر آلاف اللاجئين الصحراويين وتدعم حقهم في تقرير المصير.
على الساحة الليبية، تقف الدولتان على طرفي نقيض، الإمارات موّلت ودعمت حملة حفتر للسيطرة على طرابلس، بينما أعلنت الجزائر أن العاصمة الليبية خط أحمر، ولوّحت بإمكانية التدخل العسكري لحمايتها. موقف تبون كان واضحًا في تلك الفترة، حين قال إن “رسالة الجزائر وصلت إلى من يهمه الأمر”، في إشارة ضمنية للإمارات دون تسميتها.
لكن الإمارات لم تتوقف، وتدخلت لاحقًا لمنع تعيين وزير الخارجية الجزائري الأسبق صبري بوقادوم مبعوثًا أمميًا إلى ليبيا، في خطوة قرأها الجزائريون على أنها انتقام سياسي صريح.
الضغط الإماراتي على الجزائر لم يكن سياسيًا فقط، بل امتد إلى الإعلام والمنظمات الدولية، حيث تحدثت تقارير جزائرية عن تصويت سري ضد انضمام الجزائر إلى مجلس الأمن، ولم يقتصر العداء على السياسة الخارجية، بل استخدم الإعلام الإماراتي والممول من أبو ظبي مرارًا في حملات تشويه ممنهجة ضد الجزائر، سواء عبر مقالات رأي أو برامج موجهة، ركزت على تضخيم الخلافات الداخلية، وتقديم صورة مشوهة عن الوضع في البلاد.
ما جرى من قبل التليفزيون الرسمي الجزائري كان حصيلة تراكمات استمرت لسنوات، لم تعد فيها أبو ظبي تُخفي نواياها، فالمشروع الذي تقوده الإمارات في المنطقة يرتكز على تطويق الدول التي ترفض التطبيع، وإضعاف مراكز الثقل الوطني التي ما زالت ترفع سقف الخطاب السيادي. الجزائر كانت، ولا تزال، أحد هذه المراكز، ما يجعلها هدفًا دائمًا للضغوط والاختراق.
أمام هذا الواقع، تتعامل الجزائر مع النظام الإماراتي باعتباره مصدر خطر، لا شريكًا عربيًا. فالإمارات ليست فقط داعمة لخصوم الجزائر، بل متورطة في التحريض الإعلامي، والتجسس، والدعم العسكري لأطراف معادية في محيطها الإقليمي. لذلك، لم يكن هجوم التلفزيون الجزائري مجرد انفعال، بل بيان موقف، وإعلان قطيعة مع نظام وُصف علنًا بأنه كيان مصطنع لا يملك الجذور ولا السيادة.