في تطور جديد يكرّس حالة القمع السياسي في تونس، أيدت محكمة الاستئناف التونسية، الثلاثاء 4 يونيو 2025، الحكم الصادر سابقاً بالسجن عشر سنوات بحق وزير العدل الأسبق والقيادي في حركة النهضة نور الدين البحيري.

الحكم الذي وُصف بأنه “سياسي بامتياز” جاء دون الاستماع إلى مرافعة الدفاع، وسط اتهامات للرئيس قيس سعيد بـ”توظيف القضاء كأداة لتصفية معارضيه”، ما يزيد من مخاوف التحول التدريجي نحو الحكم الفردي المطلق في البلاد.

أحكام تحت غطاء “العدالة”.. والتهمة: رأي سياسي

نور الدين البحيري، المحامي وعضو البرلمان ووزير العدل السابق، أُدين بتهمة “الدعوة للفوضى” على خلفية تدوينة دعا فيها المواطنين للنزول إلى الشارع في ذكرى ثورة 14 يناير 2011.

هيئة الدفاع أكدت أن التدوينة غير موجودة أصلاً، ووصفت المحاكمة بأنها “باطلة قانونيًا ومسيسة”، خاصة مع رفض المحكمة تأجيل الجلسة رغم طلب هيئة الدفاع، التي كانت قد قدمت شكاية ضد رئيسة الدائرة الثانية بدعوى “التدليس”.

وكانت المحكمة الابتدائية قد أصدرت الحكم الأول ضد البحيري في أكتوبر الماضي، ثم جرى تأييده من محكمة الاستئناف دون مرافعة أو استدعاء شهود. وقد اعتُقل البحيري منذ أكثر من عام، ووجهت إليه كذلك تهم ثقيلة أخرى في ملفات مختلفة، بينها ما يُعرف بملف “التآمر على أمن الدولة” الذي صدر فيه حكم منفصل بسجنه 43 عامًا بتهم تشمل “تكوين مجموعة إرهابية”، و”ارتكاب أمر موحش ضد رئيس الجمهورية”، و”التآمر على أمن الدولة”.

تصعيد ضد المعارضين.. من الغنوشي إلى العريض

حكم البحيري ليس معزولاً، بل يأتي ضمن موجة من الأحكام الثقيلة التي طالت قيادات بارزة في حركة النهضة، أبرزها الحكم الصادر بحق راشد الغنوشي، رئيس الحركة ورئيس البرلمان المنحل، بالسجن 22 سنة، وكذلك حكم بسجن رئيس الحكومة الأسبق علي العريض لمدة 34 سنة.

جميعها تهم تدور حول قضايا “أمنية” و”إرهاب” ترفضها المعارضة وتعتبرها غطاءً قانونيًا لاستهداف سياسي منهجي.

وتقول منظمات حقوقية إن هذه المحاكمات تتم في ظروف غير عادلة، ودون احترام الحد الأدنى من ضمانات المحاكمة العادلة. منظمة العفو الدولية دعت في مايو الماضي إلى الإفراج الفوري عن نور الدين البحيري، ووصفت التهم الموجهة إليه بأنها “ذات دوافع سياسية”، مشددة على أن السلطات التونسية تمارس “الترهيب القضائي” بحق المعارضين السياسيين.

القصر الرئاسي ينفي.. لكن الوقائع تُدين

الرئيس قيس سعيد، الذي يواجه موجة من الانتقادات الدولية، يصر على أن القضاء في تونس “مستقل ولا أحد يتدخل في قراراته”، ويرى في الإجراءات القضائية الأخيرة مجرد تطبيق للقانون في وجه من “تآمروا على الدولة” على حد قوله. لكنه في المقابل لم يتردد منذ 25 يوليو 2021 في تنفيذ سلسلة من الإجراءات الاستثنائية، شملت حل البرلمان والمجلس الأعلى للقضاء وتعليق العمل بأجزاء من الدستور، وتكريس الحكم بالمراسيم الرئاسية.

ومنذ فرض تلك الإجراءات، باتت السلطة التنفيذية تهيمن بشكل واضح على باقي مؤسسات الدولة، في ظل شبه غياب للمعارضة الرسمية، وتفكك الحياة الحزبية، وملاحقة نشطاء وصحفيين ومحامين بتهم تتعلق بحرية التعبير أو الأمن القومي، وهو ما يُنظر إليه على نطاق واسع كعودة إلى الممارسات السلطوية ما قبل الثورة.

الحقوق تُسحق.. والإضرابات سلاح السجناء

نور الدين البحيري، الذي يعاني من أمراض مزمنة، خاض عدة إضرابات عن الطعام في سجنه احتجاجًا على ظروف اعتقاله، استمر أحدها لأكثر من 20 يومًا، وتسبب في تدهور كبير بصحته، قبل أن تتدخل منظمات حقوقية لإقناعه بوقفه. فريق الدفاع عنه قدم شكاوى تتعلق بالتعذيب والاعتداء الجسدي الذي تعرض له البحيري أثناء اعتقاله، وهو ما أدى إلى إصابته بكسور، وفق تأكيدات المحامين.

ورغم كل ذلك، لا تزال السلطات تتجاهل الدعوات المتكررة لاحترام حقوق المعتقلين السياسيين، بل تستمر في تشديد الخناق على قيادات المعارضة، في وقت تشير فيه مؤشرات حرية الصحافة وحقوق الإنسان إلى تراجع حاد مقارنة بالسنوات الماضية، حسب تقارير منظمة “هيومن رايتس ووتش” و”مراسلون بلا حدود”.

هل تعود تونس إلى ما قبل 2011؟

ما يجري اليوم يعيد إلى الأذهان ممارسات نظام زين العابدين بن علي، حيث كانت المحاكمات السياسية تُلبّس بغطاء قانوني. لكن الفارق الآن أن القمع يتم تحت مظلة “الثورة”، وبدعم من “الشرعية الانتخابية” التي منحها جزء من الشعب لقيس سعيد في 2019، ثم استغلها لفرض دستور جديد في 2022 بأدنى نسب مشاركة انتخابية.

ورغم أن الرئيس يكرر في خطاباته أنه “يحمي الدولة من الأخطار” و”يحارب الفساد والخونة”، إلا أن وقائع المحاكمات وأسلوب إدارتها يعزز اتهامات المعارضة بأن سعيد أقام دولة بوليسية جديدة، يقودها هو شخصيًا ويتحكم فيها بالقضاء والإعلام والأمن، ولا صوت فيها إلا صوت القصر.

خاتمة: المحاكمة سياسية والقمع ممنهج

ما حدث مع نور الدين البحيري ليس قضية معزولة، بل هو حلقة ضمن سلسلة ممنهجة من الملاحقات السياسية التي تستهدف كل من يعارض الرئيس سعيد أو ينتقد مساره. وبينما تتكدس الملفات أمام القضاء ضد قيادات المعارضة، تغيب المحاسبة الحقيقية عن ملفات الفساد وسوء الإدارة والانهيار الاقتصادي. أما القضاء، فقد بات اليوم – في نظر كثيرين – رهينة القصر، لا حارسًا للعدالة.

اقرأ أيضًا : كمين جباليا: القسام تكبد الاحتلال خسائر فادحة في اشتباكات دامية شرق القطاع