بقلم/ محمود المنصورى
في ظل الدمار الذي يلاحق قطاع غزة نتيجة العدوان الإسرائيلي المستمر، عقدت القمة العربية الطارئة وأعلنت عن اعتماد خطة مصر لإعادة إعمار القطاع، مصحوبة ببيان يدين الجرائم الإسرائيلية، ويدعو لنشر قوة حماية دولية، ويرفض تهجير الفلسطينيين.
لكن في ظل التجارب السابقة، والتخاذل العربي المستمر في دعم القضية الفلسطينية بشكل عملي، يبقى السؤال الأهم: هل هذه القمة قادرة على إحداث تغيير حقيقي؟ أم أنها مجرد بيان آخر يُضاف إلى أرشيف القرارات العربية غير المفعّلة؟
إعادة الإعمار.. هل تكرار للوعود السابقة؟
إعلان القمة عن تبني خطة مصر لإعادة الإعمار يبدو ظاهريًا خطوة إيجابية، لكن بالنظر إلى تاريخ عمليات الإعمار في غزة، نجد أنها لم تكن سوى محاولات شكلية، لم تمنع إسرائيل من تدمير القطاع مرارًا وتكرارًا.
- إعادة الإعمار دون وقف العدوان؟
أي خطة لإعادة إعمار غزة دون ضمان وقف دائم للعدوان الإسرائيلي هي مجرد استثمار في الخراب، حيث أن الاحتلال سيعود ليهدم كل ما يتم بناؤه مجددًا.
لماذا لا تطالب القمة العربية بإجراءات عملية لإيقاف الحرب، قبل الحديث عن إعادة بناء ما سيتم تدميره في الغارات القادمة؟
- من سيموّل هذه العملية؟
من سيتحمل تكاليف إعادة الإعمار؟ هل الدول العربية ستدفع الفاتورة بينما الاحتلال يواصل عدوانه بلا تكلفة عليه؟
التجارب السابقة تشير إلى أن إعادة الإعمار غالبًا ما تتحول إلى استثمارات سياسية لبعض الدول، بدلًا من أن تكون دعمًا حقيقيًا للفلسطينيين.
- الدور المصري.. هل هو دعم حقيقي أم وسيلة للضغط السياسي؟
مصر التي تقود جهود إعادة الإعمار هي نفسها التي تفرض حصارًا خانقًا على غزة منذ سنوات، وتتحكم في معبر رفح كأداة ضغط سياسي.
في ظل هذه السياسة، هل يمكن الوثوق بأن خطة إعادة الإعمار ستكون فعلية، أم مجرد وسيلة جديدة للسيطرة على اقتصاد غزة وتعزيز النفوذ المصري في القطاع؟
قوة حماية دولية.. هل هي حل حقيقي أم تهرب من المواجهة؟
من أبرز نقاط البيان الدعوة لنشر قوة حماية وسلام دولية في الأراضي الفلسطينية، لكن:
من سينفذ هذا القرار؟ ومن سيلزم الاحتلال الإسرائيلي بقبوله؟
لماذا لا تتجه الدول العربية إلى فرض ضغوط سياسية واقتصادية على إسرائيل بدلًا من انتظار تدخل دولي قد لا يحدث؟
التجربة تؤكد أن الاحتلال الإسرائيلي لا يعترف بأي قوات دولية، بل يستمر في استهداف المدنيين والصحفيين حتى بوجود مراقبين أمميين.
الإدانة العربية.. متأخرة وعاجزة؟
البيان العربي أدان قرار إسرائيل وقف إدخال المساعدات إلى غزة، لكن:
لماذا لا يتم اتخاذ إجراءات عربية حقيقية لفرض عقوبات على الاحتلال بدلًا من الاكتفاء بالإدانة اللفظية؟
إسرائيل لا تعير اهتمامًا لهذه الإدانات لأنها تعلم أنها لن تؤدي إلى أي إجراءات ملموسة.
في المقابل، تتعامل بعض الأنظمة العربية مع إسرائيل كشريك استراتيجي، وتعقد معها صفقات تجارية وعسكرية، مما يجعل هذه الإدانات بلا قيمة حقيقية.
رفض التهجير.. ولكن ماذا بعد؟
القمة العربية أعلنت رفض تهجير الفلسطينيين من أراضيهم، لكن هذا الرفض لا معنى له دون إجراءات عملية:
إسرائيل مستمرة في تهجير الفلسطينيين عبر الاستيطان والقصف والحصار، فماذا فعلت الدول العربية لمنع ذلك؟
إذا كانت الدول العربية جادة في منع التهجير، فلماذا لا تمارس ضغوطًا على المجتمع الدولي لإيقاف الدعم العسكري لإسرائيل؟
هل القمة خطوة حقيقية أم مجرد دعاية؟
بالنظر إلى مضمون البيان، يمكن تلخيصه في عدة نقاط:
✅ إدانة إسرائيل (لكن دون أي إجراءات فعلية).
✅ الدعوة لقوة حماية دولية (لكن دون خطة لتنفيذها).
✅ إعلان إعادة الإعمار (لكن بدون آلية لضمان استمرارها وحمايتها).
✅ رفض التهجير (لكن دون أي عقوبات أو تحركات لوقفه).
بمعنى آخر، القمة العربية قدمت وعودًا فارغة دون أي خطة عملية.
ما الذي كان يجب على القمة فعله؟
إذا كانت الدول العربية جادة في دعم غزة، كان يمكنها اتخاذ خطوات أكثر فاعلية، مثل:
- فرض عقوبات اقتصادية على الاحتلال، بدلًا من استمرار العلاقات التجارية.
- وقف التطبيع مع إسرائيل فورًا، خاصة من الدول التي وقعت اتفاقيات تعاون أمني واقتصادي.
- توفير دعم مالي مباشر لإعادة إعمار غزة، وليس فقط عبر وسيط مصري.
- دعم المقاومة الفلسطينية ماديًا وسياسيًا، بدلًا من محاصرتها.
قمة بيانات بلا أفعال؟
رغم محاولات القمة العربية تقديم نفسها كمدافع عن غزة، فإن الواقع يظهر أنها لم تقدم سوى مزيد من البيانات والإدانات الفارغة.
إعادة الإعمار لن تكون فعالة بدون وقف دائم للعدوان الإسرائيلي.
الإدانة بدون عقوبات أو ضغط سياسي لا تعني شيئًا.
الدعوة لقوات حماية دولية مجرد محاولة لتجنب اتخاذ مواقف عربية أكثر حدة ضد إسرائيل.
ويبقى السؤال الأهم: هل ستتحرك الدول العربية يومًا لحماية الفلسطينيين فعليًا، أم أن القمم العربية ستبقى مجرد منصات لإصدار البيانات التي لا يقرأها أحد؟