لم تكن تغريدة عبد الخالق عبد الله حدثًا عابرًا في عالم التعليقات السياسية، بل كانت نموذجًا مكتملاً لطريقة صناعة الرواية الرسمية في أبوظبي. كتب المستشار السابق لمحمد بن زايد بثقة مطلقة: “أمريكا تطالب بإخراج الإخوان من الجيش والأجهزة الأمنية. هذا هو أيضًا موقف الإمارات.” بدا الأمر وكأنه خبر رسمي صادر عن واشنطن نفسها، وكأن المبعوثين الأميركيين أعلنوا فجأة أن الأزمة في السودان هي حربًا عقائدية فكرية، وكأن الولايات المتحدة استيقظت ذات صباح وقررت أن تتبنى خطاب أبوظبي حول “الإخوان”..

 لكن المفارقة– التي تكشفها مراجعة المصادر الدولية – أن هذا الادعاء غير موجود في أي وثيقة أميركية، ولا ورد في أي بيان صادر عن الخارجية الأميركية، ولا ذكرته أي وسيلة إعلام أميركية معتبرة خلال ديسمبر 2025، ولا أشارت إليه أي جهة أممية، وإن سلمنا جدلا أن هناك تصريحا صدر من مسؤول أمريكي ـ وهو ما لم يثبت ـ فإن هذا التصريح لا يصبح موقفا أمريكيا إلا إذا اعتمدته أو نشرته جهة رسمية أو صرحت به بصفة رسمية لوسائل إعلام ذات مصداقية.

أصل القصة، كما يتضح عند تتبعها، ليس أكثر من تقرير واحد نشرته وكالة هاوار الكردية ANHA، وهي منصة صغيرة تابعة للإمارات، وليست وسيلة معتمدة في التغطيات الدولية أو في نقل وثائق رسمية. بالإضافة لذلك فإن التقرير المذكور تحدث عن مقترح قدّمه المبعوث الأميركي مسعد بولوس، يتضمن “إقصاء عناصر النظام السابق والإسلاميين والإخوان” من مؤسسات الدولة. هذه الجملة هي كل ما استند إليه عبد الخالق عبد الله. لم يستند إلى وثائق، لم يستند إلى تقرير أميركي، ولم يستند إلى تصريح رسمي. استند فقط إلى تقرير هزيل في موقع مجهول، ثم قدّم ما ورد فيه على أنه سياسة أميركية راسخة، بل وذهب خطوة أبعد حين قال إن هذا هو أيضًا “موقف الإمارات”، في محاولة لتصوير التطابق بين واشنطن وأبوظبي وكأنه واقع سياسي لا يحتاج إلى تمحيص.

لكن عند مقارنة ما نشرته المنصات الإماراتية مع ما نشرته وسائل الإعلام الغربية ذات المصداقية، تظهر الصورة الحقيقية. ففي تقرير طويل نشرته BBC في 2 ديسمبر 2025 كشفت الشبكة البريطانية ما هو فعليًا جوهر الخطة الأميركية-السعودية-الإماراتية-المصرية المقترحة، المعروفة باسم “خطة الرباعية”. الخطة، كما وردت في BBC، تقوم على ثلاثة عناصر واضحة: وقف إطلاق النار، وتوفير ممرات إنسانية، وبدء حوار لتشكيل حكومة مدنية. لا ذكر للإخوان. لا ذكر لتطهير الجيش. لا وجود لأي بند يشير إلى إعادة هيكلة عقائدية للمؤسسة العسكرية السودانية. والتركيز في التقرير كان منصبًا على أن هذه الخطة تعثرت بسبب الرفض الذي أبداه قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، وأن طرفي الصراع – الجيش والدعم السريع – لم يلتزما بها، وأن الأزمة تفاقمت بعد هجوم قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر.

الأهم في تقرير BBC ليس فقط غياب أي إشارة إلى “تطهير الجيش من الإخوان”، بل الفقرة التي تكشف معالجة مختلفة تمامًا لما يجري. حيث ذكرت BBC صراحة أن الإمارات “تُتهم بتسليح قوات الدعم السريع، بل ويُقال إنها تزيد من إمداداتها”، وأن خطوة السلام الأولى يجب أن تبدأ بوقف الدعم الخارجي الذي يغذي الحرب بدلًا من إعادة إنتاج روايات سياسية لا علاقة لها بحقيقة الصراع. هذا الكلام يجعل تغريدة عبد الخالق عبد الله أكثر وضوحًا، ليس بوصفها تحليلًا سياسيًا، بل بوصفها محاولة تطويع للواقع لخدمة دعاية رسمية.

فعبد الخالق، الذي يعلم جيدًا أن الإمارات متورطة في دعم قوات حميدتي، وأن واشنطن ليست راضية عن هذا الدور، وأن الخطة الأميركية لا تتبنى خطاب أبوظبي حول “السودان”، حاول أن يحول النقاش من مسألة “من يسلّح الدعم السريع؟” إلى مسألة “من سيُطهّر الجيش من الإخوان؟”. إنها الحيلة الإماراتية القديمة، التي تكرر استخدامها في ليبيا وتونس واليمن وحتى داخل الخليج: تحويل كل صراع سياسي إلى معركة ضد “الإخوان”، حتى وإن لم يكن للإخوان وجود فعلي في المشهد. في السودان مثلًا، الحركة الإسلامية تراجعت بشدة منذ 2019، والجيش ليس كتلة أيديولوجية متماسكة كما يروج إعلام الإمارات. لكن أبوظبي تحتاج “فكرة الإخوان” كي تشرعن سياساتها الخارجية، وكي تغطي على اتهامات تورطها في صراعات دموية.

ومن هنا، يصبح دور عبد الخالق واضحًا: تسويق الرواية التي تساعد الإمارات على النجاة من الضغط الدولي. فبينما تقول BBC بوضوح إن الإمارات متهمة بتسليح قوات الدعم السريع، يحاول عبد الخالق أن يصنع رواية مضادة مفادها أن الإمارات وواشنطن تقفان معًا في معركة “تطهيرية” ضد تيار سياسي، رغم أن الولايات المتحدة لم تتبنَّ هذه الفكرة، ولم تطرحها، ولم تلوّح بها حتى. وللتأكيد، لا توجد أي صحيفة أميركية – لا نيويورك تايمز، لا واشنطن بوست، لا بوليتيكو، لا رويترز – ذكرت شيئًا عن خطة لإقصاء “الإخوان” من الجيش السوداني. الخطة كما وردت في المصادر الغربية تهدف إلى وقف الحرب، لا إلى إعادة هندسة المجتمع السوداني حسب الرؤية الإماراتية.

ما قام به عبد الخالق إذًا لم يكن تحليلًا، بل كان صناعة وعي مضلل. وهو في ذلك يلعب الدور ذاته الذي يتقنه النظام الإماراتي: تقويض الحقائق عبر ضخ روايات سياسية مُعَدّة مسبقًا. فحين يتعرض الدور الإماراتي في السودان للنقد، يتم خلق “عدو بديل” اسمه الإخوان. وحين تُتهم الإمارات بتسليح الدعم السريع، يتم القفز للحديث عن “اتفاق أميركي-إماراتي لتطهير الجيش”. وحين تتعثر خطة الرباعية بسبب غضب الجيش السوداني من أبوظبي، يتم الادعاء بأن واشنطن تتبنى رؤية الإمارات.

السؤال هنا ليس: لماذا كذب عبد الخالق؟ فهذا دأبه

السؤال هو: لماذا تحتاج الإمارات إلى هذا النوع من الأكاذيب؟

الإجابة بسيطة. لأن الدور الذي تلعبه في السودان اليوم أصبح مكشوفًا، ولأن الشعوب العربية  والغربية بدأت تنظر بجدية إلى ما تفعله أبوظبي في تغذية الحروب، ولأن الإمارات في لحظة سياسية محرجة تحاول إنقاذ صورتها عبر بناء روايات وهمية.

 لم يعد بالإمكان إخفاء الاتهامات بتسليح قوات الدعم السريع، ولم يعد ممكنًا تجاهل أن حميدتي أعلن قبوله بالهدنة بعد أيام من ارتكاب مجزرة الفاشر، وأنه كان يبحث عن “ترميم سمعته”، كما جاء في تقرير BBC. بل إن BBC ذكرت في القسم الأخير من تقريرها تفاصيل عن جرائم الدعم السريع، وكيف نشر عناصره “فيديوهات” يظهرون فيها تعذيب وقتل المدنيين، وهي مشاهد تضع من يمد هؤلاء بالسلاح في خانة المسؤولية الأخلاقية والجنائية.

وسط هذا السياق المتفجر، كان على أبوظبي أن تبحث عن رواية بديلة. فظهر عبد الخالق. وكتب تغريدته. وصنعت الإمارات عبره “خبرًا” لا وجود له. ثم تركت منصاتها الإعلامية المحلية وذبابها الإلكتروني يردد الادعاء نفسه بلا تحقق، وبدون أي مصدر موثوق.

لكن الوقائع أقوى من الدعاية. والحقائق تكشف أن الحديث عن “تطهير الجيش السوداني من الإخوان” ليس سوى حيلة إماراتية, تحاول أبوظبي أن تقدمها للعالم بوصفها “قراءة سياسية”، بينما هي في حقيقتها حيلة للهروب من مسؤولية دعم الميليشيات.

وهكذا، فإن عبد الخالق عبد الله لم يخطئ.لم يتوه في قراءة التقارير.لم يسئ الفهم.بل فعل ما يفعله دائمًا:

صاغ رسالة أرادتها أبوظبي… ثم قدّمها كحقيقة سياسية دولية.

 

والنتيجة: سقطت الرواية عند أول مواجهة مع المصادر الجادة، وبقيت الحقيقة الوحيدة هي أن الإمارات – هي الطرف الذي تطالب واشنطن اليوم بوقف دوره في السودان.