في خطوة تعكس تصعيدًا جديدًا في سياسة العقاب الجماعي، صادق الكنيست الإسرائيلي، اليوم الاثنين، بشكل نهائي على مشروع قانون يقضي بقطع الكهرباء والمياه عن مكاتب وكالة الأونروا، ليُدخل القرار حيّز التنفيذ فورًا، في إجراء يُعدّ سابقة خطيرة تستهدف مؤسسة أممية إنسانية في قلب واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية المعاصرة.

وبحسب إذاعة الجيش الإسرائيلي، فقد جرى تمرير القانون في القراءتين الثانية والثالثة بأغلبية 59 نائبًا من أصل 120، مقابل 7 نواب عارضوه، بعدما استكمل مساره التشريعي الذي يتطلب ثلاث قراءات ليصبح نافذًا. وكان الكنيست قد أقر المشروع مبدئيًا في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، قبل إحالته إلى لجنة الخارجية والأمن تمهيدًا للتصويت النهائي.

تشريع للعقاب الجماعي

يمثل هذا القانون انتقالًا واضحًا من الحصار العسكري إلى الحصار التشريعي، حيث يستخدم الاحتلال أدوات القانون الداخلي لتجريم العمل الإنساني، وتحويل الخدمات الأساسية—الماء والكهرباء—إلى سلاح سياسي وأمني. فالأونروا ليست جهة عسكرية ولا فصيلًا سياسيًا، بل شريان حياة لملايين اللاجئين الفلسطينيين، خصوصًا في قطاع غزة الذي يعاني من انهيار شبه كامل للبنية التحتية.

وخلال جلسة التصويت، حاول وزير الطاقة والبنية التحتية الإسرائيلي إيلي كوهين تبرير القرار بادعاءات سياسية وأمنية، زاعمًا أن الأونروا “الذراع التنفيذية لحركة حماس”، ومضيفًا أن “المنظمة التي تشكل بيئة خصبة للتحريض والقتل لا يحق لها الاستمرار”، في خطاب يعكس—بحسب مراقبين—نزعة تحريضية هدفها نزع الصفة الإنسانية عن وكالة أممية تمهيدًا لتصفيتها.

خطاب تحريضي وإقصائي

لم يتوقف كوهين عند مهاجمة الأونروا، بل شنّ هجومًا مباشرًا على النواب العرب في الكنيست الذين عارضوا القانون، واصفًا إياهم بـ“الطابور الخامس”، ومعلنًا “لا مكان لهم في الكنيست”، في تصريحات تكشف الوجه الإقصائي والعنصري المتصاعد داخل المؤسسة التشريعية الإسرائيلية، وتؤكد أن القرار لا ينفصل عن سياق أوسع لتجريم الصوت الفلسطيني داخل إسرائيل وخارجها.

سياق متكامل لتصفية الأونروا

يأتي هذا القانون استكمالًا لمسار تشريعي بدأ في أكتوبر/تشرين الأول 2024، حين أقر الكنيست حظر نشاط الأونروا داخل إسرائيل بزعم “تورط بعض موظفيها” في هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. وهي ادعاءات نفتها الوكالة مرارًا، كما أكدت الأمم المتحدة التزام الأونروا بالحياد، واتخاذها إجراءات داخلية للتحقيق في أي شبهات فردية، دون أن يثبت تورط مؤسسي للوكالة.

غير أن الاحتلال يتعامل مع هذه الادعاءات بوصفها ذريعة سياسية لتصفية الوكالة، التي تمثل شاهدًا دوليًا على قضية اللاجئين الفلسطينيين، ومرتكزًا قانونيًا لحق العودة. ومن هنا، فإن استهداف الأونروا لا ينفصل عن مشروع أوسع لإعادة تعريف القضية الفلسطينية باعتبارها “مشكلة إنسانية” بلا جذور سياسية أو قانونية.

جريمة في توقيت إنساني قاتل

تكتسب الخطوة خطورتها القصوى من توقيتها، إذ تأتي في لحظة تتعاظم فيها حاجة الفلسطينيين إلى خدمات الأونروا، بعد نحو عامين من حرب إبادة جماعية شنها الاحتلال بدعم أمريكي على قطاع غزة منذ 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وحتى دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

وقد خلّفت تلك الحرب أكثر من 71 ألف شهيد، وما يزيد على 171 ألف جريح، معظمهم من الأطفال والنساء، فضلًا عن تدمير واسع للمستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء. ورغم وقف إطلاق النار، لم يشهد الواقع المعيشي في غزة أي تحسّن يُذكر، بفعل القيود الإسرائيلية المشددة على دخول المساعدات، في انتهاك صارخ للبروتوكول الإنساني للاتفاق.

الاحتلال يجرّم الإغاثة

في هذا السياق، يصبح قطع المياه والكهرباء عن مكاتب الأونروا فعلًا عقابيًا مباشرًا بحق المدنيين، وليس مجرد إجراء إداري. فهو يعطل قدرة الوكالة على تقديم الخدمات الصحية والتعليمية والإغاثية، ويدفع نحو تفاقم الكارثة الإنسانية، بما يرقى إلى مستوى العقاب الجماعي المحظور دوليًا.

وبينما يواصل الاحتلال ادعاء “الدفاع عن النفس”، تكشف هذه الخطوة مرة أخرى أن الهدف الحقيقي هو كسر إرادة الفلسطينيين، وتجفيف مصادر بقائهم، وتجريم كل من يحاول إنقاذهم. إنها سياسة إجرامية ممنهجة، تُدار بالقانون كما تُدار بالقوة، وتؤكد أن الاحتلال لا يحارب فصيلًا بعينه، بل يستهدف الوجود الفلسطيني ذاته، حتى لو كان ذلك عبر تجويع المرضى وحرمان الأطفال من الماء والكهرباء.

اقرأ أيضًا : نص بيان القسام الذي نعت فيه قادتها بعد حرب الإبادة على غزة