في الوقت الذي تغرق فيه السودان في أزمات متداخلة تشمل الحرب والجوع والوباء، تدق الأمم المتحدة ناقوس الخطر بشأن انهيار إنساني وشيك، لا سيما بعد تفشي الكوليرا في مناطق نازحة تعاني أصلًا من المجاعة.
وعلى الرغم من التحذيرات الدولية، تستمر بعض القوى الإقليمية، وعلى رأسها الإمارات، في تأجيج الوضع بدعمها للميليشيات المسلحة، وعلى رأسها “قوات الدعم السريع”، المتهمة بارتكاب جرائم إبادة وتهجير قسري. ومع تصاعد الكارثة، يبقى السؤال: إلى متى سيظل المجتمع الدولي متواطئًا بالصمت؟

الوباء ينتشر.. و”زمزم” تتحول إلى مقبرة مفتوحة
أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) أن منطقة “طويلة” في ولاية شمال دارفور سجلت أكثر من 1300 حالة إصابة بالكوليرا خلال أسبوع واحد فقط، ما ينذر بانفجار وبائي قد يتجاوز الحدود الجغرافية والمقدرات الطبية. تعاني هذه المنطقة من اكتظاظ شديد بعد أن استقبلت آلاف النازحين الهاربين من جحيم القصف والمجاعة في مخيم زمزم القريب من مدينة الفاشر، وهو المخيم الذي تحول منذ أبريل/نيسان الماضي إلى رمز للمأساة الإنسانية في السودان، بعد تعرضه لهجمات مروعة من قوات الدعم السريع، خلفت مئات القتلى وأجبرت الآلاف على الفرار حفاة وسط الجوع والذعر.
نقص الإمدادات الطبية في هذه المناطق جعل من مراكز علاج الكوليرا القائمة أشبه بمحطات انتظار للموت، إذ لا تكفي الأدوية، ولا تتوفر سيارات إسعاف، ولا حتى أدوات للتعامل مع النفايات، في ظل انهيار كامل للبنية التحتية الصحية.
ومع حلول موسم الأمطار، يتوقع أن تتضاعف الإصابات، حيث تتحول المياه الراكدة إلى بيئة مثالية لتكاثر البكتيريا المسببة للكوليرا، في وقت تتعثر فيه جهود الإغاثة بسبب استمرار القتال وغياب التمويل الدولي الكافي.
الفيضان لا يرحم.. والنزوح يتحول إلى دورة مميتة
في شرق السودان، لم يكن حال ولاية كسلا أفضل، حيث نزح أكثر من 1400 شخص بعد فيضانات مدمرة خلفتها الأمطار الغزيرة، وتسببت في تدمير 280 منزلًا على الأقل. المأساة لم تتوقف عند الخسائر المادية، بل وصلت إلى مصادر الحياة الأساسية، إذ اضطر السكان لاستخدام برك مياه ملوثة كمصدر وحيد للشرب، ما يفاقم من احتمالات تفشي الأمراض المنقولة بالمياه مثل الإسهال والكوليرا والملاريا.
أما في ولاية النيل الأبيض، فقد عاد بعض السكان إلى مناطقهم، إلا أن تقييم الأمم المتحدة كشف عن حاجات ماسة في قطاعات الصحة والمياه والصرف الصحي. وفي ولايتي الخرطوم والنيل الأزرق، عاد آلاف آخرون بعد أن استعادت الحكومة بعض الخدمات، إلا أن عودتهم محفوفة بالمخاطر، وأبرزها الذخائر غير المنفجرة التي تهدد حياتهم في كل لحظة.
الأخطر أن حالات العودة هذه كثيرًا ما تنتهي بالرجوع إلى النزوح مجددًا بسبب انعدام الأمن والخدمات، مما يجعل ملايين السودانيين عالقين في حلقة مفرغة من النزوح والموت والعودة القسرية، دون أي ضمانات للحماية أو البقاء.
أصابع الاتهام تتجه للإمارات.. حرب بالوكالة تدمر السودان
في قلب كل هذه الكوارث، تبرز مسؤولية إقليمية واضحة، تقف على رأسها دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تتهمها تقارير أممية وصحفية بدعم قوات الدعم السريع بالسلاح والمال عبر مسارات تهريب معقدة تمر من ليبيا وتشاد وحتى إريتريا.
الدعم الإماراتي لقوات محمد حمدان دقلو (حميدتي) لا يمكن عزله عن تفاقم الوضع الإنساني، إذ تسهم هذه الميليشيات في منع وصول المساعدات الإنسانية، وارتكاب مجازر في مناطق مثل غرب دارفور ونيالا وزمزم، وتستخدم تجويع المدنيين كأداة حرب. فكيف يمكن الحديث عن مكافحة الكوليرا والمجاعة في ظل وجود قوة ميليشياوية تتلقى الدعم من دولة خليجية ثرية وتمارس التطهير العرقي بلا رادع؟
وتطرح تساؤلات كبرى حول صمت الأمم المتحدة وعدم اتخاذ إجراءات حازمة لوقف تدفق الأسلحة إلى الميليشيات، ومحاسبة الداعمين الإقليميين لهذا التدمير الممنهج. كما تتزايد الضغوط على مجلس الأمن لفتح تحقيق شفاف في طبيعة الدعم العسكري الإماراتي، الذي أدى إلى استمرار القتال وتعطيل أي مساعٍ للسلام.
خاتمة: ما لم يتم كبح الميليشيات.. الكارثة ستتفاقم
بحسب الأمم المتحدة، الحرب التي بدأت في أبريل 2023 تسببت في مقتل أكثر من 20 ألف شخص ونزوح أكثر من 15 مليونًا. أما جامعة هارفارد وجهات بحثية أميركية فتقدر عدد القتلى الحقيقي بنحو 130 ألفًا. هذه أرقام مذهلة لبلد يُترك لينزف بلا اهتمام دولي حقيقي، بينما يتسابق الداعمون الإقليميون لحجز مواقعهم في “ما بعد الحرب”.
إن استمرار الدعم الإماراتي للميليشيات، وتراخي المجتمع الدولي عن اتخاذ موقف حازم، يعني أن الكوليرا ليست سوى البداية، وأن ما ينتظر السودان في الأشهر المقبلة هو موجات أوسع من المجاعة والانهيار.
في النهاية، الكارثة في السودان ليست طبيعية ولا قدرية، بل هي صناعة بشرية بامتياز، شاركت فيها أطراف محلية وإقليمية، ولا يمكن وقفها إلا بمحاسبة المتورطين، وإلا فسينهار السودان أمام أعيننا.. دولة وشعبًا.
اقرأ أيضًا : الإمارات والمرتزقة وراء الفوضى.. والشرطة السودانية تؤكد تراجع النهب المسلح في الخرطوم