بينما يغرق السودان في أتون حرب مدمرة، نرى بصمات الإمارات واضحة في تسليح ميليشيا قوات الدعم السريع (RSF)، المتهمة بارتكاب إبادة جماعية. هذه الحرب لم تشتعل من تلقاء نفسها، بل غذّتها شحنات الأسلحة والتمويلات الإماراتية التي تدفقت سرًا، في الوقت الذي عمل فيه اللوبي الإماراتي في واشنطن بلا كلل لحماية أبو ظبي من أي مساءلة. وبينما تتزايد الدعوات داخل الكونغرس الأمريكي لحظر مبيعات الأسلحة للإمارات بسبب تورطها في السودان، تقف في وجه هذه الجهود ماكينة نفوذ مدفوعة بملايين الدولارات، تمتد إلى قلب النظام السياسي الأمريكي، وتضمن بقاء الدعم العسكري مفتوحًا دون قيود.

كشفت وثيقة استخباراتية سرية تعود إلى عام 2022 عن “محاولات الإمارات، عبر عدة إدارات أمريكية متعاقبة، لاستغلال نقاط الضعف في نظام الحكم الأمريكي، بما في ذلك الاعتماد على التبرعات الانتخابية، التأثير القوي لشركات الضغط، وضعف إنفاذ قوانين الشفافية المفترض أن تحمي الولايات المتحدة من التدخلات الأجنبية”. هذه الاستراتيجية سمحت للإمارات ليس فقط بحماية نفسها من أي عقوبات أمريكية بسبب دورها في السودان، بل أيضًا بالحصول على صفقات أسلحة متواصلة، رغم الأدلة المتزايدة على دعمها للميليشيات التي ترتكب جرائم حرب.

في قلب هذه الشبكة المعقدة من النفوذ المالي والسياسي، ضخت الإمارات أكثر من 14 مليون دولار في الضغط السياسي داخل الولايات المتحدة، عبر خمس شركات متخصصة في التأثير على السياسات والتشريعات داخل الكونغرس والإدارة الأمريكية. إلى جانب ذلك، قدمت هذه الشركات أكثر من مليون دولار في صورة تبرعات مباشرة وغير مباشرة لأعضاء مجلسي الشيوخ والنواب، بهدف ضمان عدم تمرير أي قوانين تحد من مبيعات الأسلحة للإمارات أو تسلط الضوء على دورها في السودان. هذا النفوذ لم يقتصر على التأثير السياسي فقط، بل امتد ليشمل حملات إعلامية مضللة، استخدمت فيها الإمارات علاقاتها مع كبريات شركات العلاقات العامة الأمريكية، مثل  FGS Global، لتوجيه التغطية الإعلامية بعيدًا عن دعمها لقوات الدعم السريع، وإعادة رسم صورتها كدولة “داعمة للاستقرار”.

هذا التقرير يستند إلى تحليل مفصل للوثائق المسجلة بموجب “قانون تسجيل الوكلاء الأجانب” (FARA)، ويكشف كيف استخدمت الإمارات هذه الشبكة من الأموال والعلاقات السياسية لحماية دورها التخريبي في السودان، وتعطيل أي تحركات أمريكية لمحاسبتها على تسليح وتمويل ميليشيا متورطة في واحدة من أسوأ الجرائم في إفريقيا.

اللوبي الإماراتي: الهيكل والشركات العاملة في واشنطن

تعمل الإمارات على تحقيق أهدافها السياسية في الولايات المتحدة عبر شبكة معقدة من شركات الضغط التي تمولها بشكل سخي. من بين هذه الشركات، تبرز خمس شركات رئيسية قامت بأعمال مباشرة لصالح الحكومة الإماراتية، وتم توثيق دفع ما لا يقل عن 14,373,691 دولارًا لهذه الشركات منذ أبريل/نيسان 2023. هذه الشركات ليست مجرد وسطاء، بل تعمل بشكل مباشر على التأثير في القرارات السياسية، من خلال الاتصال بصناع القرار، وتمويل الحملات السياسية، واستخدام وسائل الإعلام لصالح الإمارات. الشركات الخمس التي عملت لصالح السفارة الإماراتية في واشنطن هي:

شركة  American Defense International (ADI)، وهي واحدة من أكثر الشركات نشاطًا في مجال الضغط لصالح الإمارات. تلقت هذه الشركة مبلغ 770,000 دولار من السفارة الإماراتية خلال الفترة الممتدة من أبريل/نيسان 2023 إلى يونيو/حزيران 2024. تخصصت ADI في التواصل مع أعضاء مجلسي النواب والشيوخ الأمريكيين، خصوصًا العاملين في لجان القوات المسلحة والشؤون الخارجية، بهدف التصدي لأي تحركات تستهدف وقف بيع الأسلحة للإمارات أو التحقيق في دورها في السودان. سجلت الشركة ارتفاعًا كبيرًا في أنشطتها بعد ديسمبر/كانون الأول 2023، عندما تم تقديم مشروع قانون لحظر بيع الأسلحة للإمارات، حيث زادت اتصالاتها من 19 بين أغسطس/آب 2023 ويناير/كانون الثاني 2024 إلى 71 بين فبراير/شباط ويوليو/تموز 2024، أي بزيادة أربعة أضعاف.

توجد أيضًا شركة  Akin Gump Strauss Hauer & Feld، وهي شركة محاماة كبرى وأحد أكبر الفاعلين في مجال الضغط السياسي في واشنطن، تعد الإمارات العميل الأهم لهذه الشركة، حيث ازداد نشاطها بعد ديسمبر/كانون الأول 2023 بشكل غير مسبوق، إذ سجلت 105 اتصالات بين يوليو/تموز وديسمبر/كانون الأول 2023، ثم ارتفعت إلى 327 اتصالًا بين يناير/كانون الثاني ويونيو/حزيران 2024. هذا التصعيد جاء استجابة لمحاولات أعضاء ديمقراطيين في الكونغرس، بقيادة النائبة سارة جاكوبس، فرض قيود على صادرات الأسلحة للإمارات بسبب دورها في السودان. إلى جانب الضغط المباشر، قامت Akin Gump أيضًا بتقديم تبرعات سياسية لعدد من أعضاء الكونغرس، من بينهم جاكوبس نفسها، في محاولة لتخفيف حدة موقفها.

تأتي FGS Global في المرتبة الثالثة من حيث النفوذ، وهي الشركة التي تلقت أكبر قدر من الأموال من الإمارات، رغم أن أنشطتها تركزت بشكل أساسي على التأثير الإعلامي وليس التواصل مع الكونغرس. كشفت الوثائق أن الشركة عملت على تحسين صورة الإمارات، والترويج لسرديات إعلامية تخفف من حدة الاتهامات الموجهة لها فيما يتعلق بالسودان. ورغم أن الوثائق لم تشر مباشرة إلى أنشطة تتعلق بالسودان، فإن زيادة التمويل المقدم لـ FGS بعد أبريل/نيسان 2023 يشير إلى دورها في إدارة الأزمة الإعلامية التي تواجهها الإمارات بسبب دعمها لقوات الدعم السريع.

بالإضافة إلى ذلك، شاركت Gilliland & McKinney (G&M) في أنشطة اللوبي الإماراتي، رغم عدم ذكر السودان مباشرة في وثائقها. ومع ذلك، تظهر السجلات أن تمويلها من السفارة الإماراتية ارتفع بشكل كبير بعد بدء الحرب السودانية في 15 أبريل/نيسان 2023، مما يشير إلى أن الإمارات كانت تستعد لحملة ضغط موسعة لحماية نفسها من تداعيات هذا النزاع في واشنطن.

أما  Bullpen Strategy Group، فقد تمثل دورها في إدارة حملات تشويه السمعة ضد خصوم الإمارات، حيث استخدمت تقنيات التأثير السلبي، مثل نشر أخبار مضللة أو التأثير على الصحفيين والمحللين السياسيين عبر وسائل الإعلام الأمريكية. تركز عملها بشكل خاص على مهاجمة قطر، لكنه امتد أيضًا إلى حماية الإمارات من الانتقادات المرتبطة بدورها في السودان.

التبرعات السياسية كأداة للنفوذ

إلى جانب التمويل المباشر لشركات الضغط، اعتمد اللوبي الإماراتي على استراتيجية التبرعات السياسية كوسيلة لتأمين الولاء السياسي داخل الكونغرس. تكشف الوثائق أن الشركات الخمس التي تعمل لصالح الإمارات أنفقت 1,040,384 دولارًا على التبرعات السياسية بين أبريل/نيسان 2023 وسبتمبر/أيلول 2024، منها 195,407 دولارًا ذهبت مباشرة إلى أعضاء مجلسي النواب والشيوخ الذين تم التواصل معهم لصالح الإمارات. بعض الشخصيات التي تلقت هذه الأموال كانت في موقع يسمح لها بالتأثير على قرارات تتعلق بالإمارات، مثل رئيس مجلس النواب مايك جونسون وزعيم الأغلبية ستيف سكاليس، اللذين تلقيا مجتمعين 10,500 دولار. كما تلقى رئيس لجنة القوات المسلحة مايك روجرز مبالغ مالية، وكذلك النائب الديمقراطي آدم سميث، رئيس الأقلية الديمقراطية في اللجنة، الذي حصل على 1,630 دولارًا من اللوبي الإماراتي. هذه التبرعات، رغم أنها قانونية من حيث المبدأ، تطرح تساؤلات حول مدى تأثير الأموال الإماراتية في القرارات الأمريكية المتعلقة بالسودان ودور الإمارات في المنطقة.

الإمارات ودورها في تخريب السودان

بينما كانت الإمارات تمارس نفوذها في واشنطن عبر اللوبيات وشبكات الضغط السياسي، كانت تتورط في السودان بشكل متزايد، سواء عبر الدعم العسكري لقوات الدعم السريع أو عبر استراتيجياتها الاقتصادية التي تهدف إلى الاستحواذ على موارد السودان، وخاصة الذهب. في هذا السياق، عملت الشركات الأمريكية المتعاقدة مع السفارة الإماراتية على أكثر من مستوى لحماية أبو ظبي من المساءلة. فإلى جانب الاتصالات المكثفة مع أعضاء الكونغرس، لجأت الإمارات إلى حملات إعلامية مضللة بهدف تشتيت الانتباه عن دورها في السودان، وخلق صورة زائفة عنها كدولة محايدة في الصراع.

اللوبي الإماراتي لم يكن مجرد وسيلة للتأثير على صناع القرار، بل كان أيضًا أداة دفاعية لمنع فرض أي عقوبات على الإمارات بسبب تورطها في الحرب. بعد أن وجه عشرة أعضاء ديمقراطيين في الكونغرس بقيادة النائبة سارة جاكوبس رسالة في ديسمبر/كانون الأول 2023 تطالب بمحاسبة الإمارات على دورها في دعم قوات الدعم السريع، أطلق اللوبي الإماراتي حملة ضغط مضادة شملت اتصالات مكثفة بأعضاء لجنة الشؤون الخارجية والقوات المسلحة، ولقاءات مع مستشارين في وزارة الخارجية والبنتاغون. الهدف من هذه الحملة كان تعطيل أي مبادرات تشريعية من شأنها أن تربط بين بيع الأسلحة للإمارات وانتهاكات حقوق الإنسان في السودان.

لم تكن هذه الحملة عشوائية، بل استهدفت 33 عضوًا في الكونغرس، بينهم 27 نائبًا في مجلس النواب، منهم 12 جمهوريًا و15 ديمقراطيًا، بالإضافة إلى 2 من أعضاء مجلس الشيوخ، و4 موظفين في لجان مؤثرة مثل لجنة القوات المسلحة (HASC) ولجنة الشؤون الخارجية (HFAC) هذه اللجان هي التي تشرف على قرارات بيع الأسلحة والعلاقات الخارجية، مما يوضح أن اللوبي الإماراتي كان يركز على مفاصل القوة التشريعية لضمان بقاء الدعم العسكري مفتوحًا دون قيود.

بعد أن قدمت النائبة الديمقراطية سارة جاكوبس مشروع قانون لحظر بيع الأسلحة للإمارات في 22 مايو/أيار 2024، تحرك اللوبي الإماراتي بشكل مكثف. خلال الأسابيع التي تلت ذلك، تم تسجيل 71 اتصالًا مباشرًا بين شركات الضغط وأعضاء الكونغرس، في محاولة لإقناعهم بعدم دعم مشروع القانون. بعض هؤلاء الأعضاء تلقوا لاحقًا تبرعات مالية من الشركات نفسها التي تعمل لصالح الإمارات، في خطوة تعكس التكتيكات التي تستخدمها أبوظبي لحماية مصالحها عبر النفوذ المالي والسياسي.

الدور الذي لعبه اللوبي في التغطية على دور الإمارات في السودان ظهر جليًا عندما تم طرح مشروع قانون في مايو/أيار 2024 لحظر بيع الأسلحة للإمارات. فور الإعلان عن هذا المشروع، تحركت الشركات التي تعمل لصالح الإمارات، وتواصلت مع عدد من النواب الأمريكيين لإقناعهم بعدم التصويت لصالحه. كانت Akin Gump وADI في طليعة الشركات التي سعت إلى التأثير على مسار هذا القانون، من خلال تقديم معلومات مضللة حول طبيعة العلاقة بين الإمارات والسودان، وإقناع المشرعين بأن أبوظبي ليست طرفًا في تسليح الميليشيات السودانية.

ولضمان نجاح هذا التحرك، لجأت الإمارات إلى استخدام المال السياسي. فوفقًا للوثائق المسجلة، زادت التبرعات المقدمة للنواب الذين تم التواصل معهم بشأن هذا الملف. على سبيل المثال، تلقت النائبة سارة جاكوبس نفسها مبلغًا من التبرعات بعد تقديمها لمشروع القانون، رغم أنها كانت في موقف معارض للإمارات، وهو ما يعكس استراتيجية الإمارات في استخدام المال للتأثير على كل الأطراف، سواء المؤيدين لها أو المعارضين.

كيف تحصن الإمارات نفسها من الانتقادات الدولية؟

إلى جانب استخدام المال السياسي واللوبيات، لجأت الإمارات إلى استراتيجيات أخرى لحماية نفسها من المساءلة، أهمها التحكم في السردية الإعلامية. فخلال الأشهر التي تلت اندلاع الحرب السودانية، عملت السفارة الإماراتية في واشنطن عبر FGS Global على الترويج لرواية مفادها أن الإمارات ليست طرفًا في النزاع، وأنها تدعم “الاستقرار” في السودان. هذه الرواية تم دعمها من خلال مقالات منشورة في وسائل إعلام أمريكية كبرى، حيث تم التعاقد مع عدد من الصحفيين لكتابة مقالات تسلط الضوء على جهود الإمارات في “الوساطة” بدلًا من التطرق إلى دعمها لقوات الدعم السريع.

التحكم في الإعلام لم يقتصر على الصحف والمقالات، بل امتد إلى وسائل التواصل الاجتماعي. كشفت تحقيقات أن الإمارات استخدمت حملات رقمية مكثفة، تضمنت آلاف الحسابات المزيفة التي تعمل على الترويج لروايات مضللة عن الصراع في السودان، وتهاجم أي شخص أو جهة تتحدث عن دور الإمارات في دعم الميليشيات. على سبيل المثال، بعد أن نشرت صحيفة The Guardian تقريرًا في يونيو/حزيران 2024 يكشف دور أبوظبي في تهريب الأسلحة إلى قوات الدعم السريع عبر ليبيا، أطلقت فرق إلكترونية إماراتية هجومًا على الصحفيين الذين كتبوا التقرير، في محاولة لتشويه مصداقيتهم وصرف الانتباه عن مضمونه.

لكن التأثير الإعلامي وحده لم يكن كافيًا، لذلك لجأت الإمارات إلى الضغوط الدبلوماسية. من خلال علاقاتها القوية مع وزارة الخارجية الأمريكية، سعت الإمارات إلى منع إصدار أي بيانات رسمية تدين دورها في السودان. وبينما كانت بعض الدول، مثل المملكة المتحدة وكندا، تتحرك لمعاقبة شبكات تهريب الأسلحة إلى السودان، ضغطت الإمارات عبر سفارتها في واشنطن لوقف أي إجراءات أمريكية مماثلة.

اللوبي الإماراتي وملف الأسلحة: تعطيل القوانين لحماية الإمدادات العسكرية

واحدة من أهم القضايا التي سعى اللوبي الإماراتي إلى التأثير عليها هي ملف مبيعات الأسلحة. منذ عام 2023، كانت هناك مطالبات داخل الكونغرس بتشديد الرقابة على مبيعات الأسلحة للإمارات، وسط مخاوف من أن يتم استخدامها لدعم ميليشيات مسلحة، من بينها قوات الدعم السريع في السودان. لكن اللوبي الإماراتي تحرك سريعًا لإفشال هذه الجهود.

ففي يونيو/حزيران 2024، عندما بدأ مجلس النواب الأمريكي مناقشة إدراج بند في موازنة الدفاع يمنع بيع الأسلحة للإمارات، كثفت شركات الضغط اتصالاتها مع أعضاء لجنة القوات المسلحة. كشفت الوثائق أن شركة ADI قامت بـ 19 اتصالًا في أسبوع واحد فقط مع أعضاء هذه اللجنة، بهدف التأثير على مسار هذا البند. ومن خلال تقديم تقارير مضللة، نجح اللوبي الإماراتي في تقويض هذا الاقتراح، حيث تم استبعاده لاحقًا من مشروع القانون النهائي.

لكن الإمارات لم تكتفِ بذلك، بل لجأت إلى تكتيك آخر: إقناع وزارة الدفاع الأمريكية بعدم تصنيفها كدولة ذات مخاطر في مجال تهريب الأسلحة. وفقًا لوثائق مسربة، تواصلت شركة Akin Gump مع مسؤولين كبار في البنتاغون خلال يوليو/تموز 2024، حيث قدمت مبررات قانونية لمنع إدراج الإمارات في قائمة الدول التي يتم التدقيق في صفقاتها العسكرية. هذا التكتيك ساعد الإمارات في الاستمرار بالحصول على معدات عسكرية أمريكية دون أي رقابة حقيقية على كيفية استخدامها.

كيف استطاع اللوبي الإماراتي اختراق النظام السياسي الأمريكي؟

نجاح اللوبي الإماراتي في حماية مصالح أبو ظبي داخل واشنطن لم يكن مجرد نتيجة للمال السياسي أو الحملات الإعلامية، بل كان أيضًا نتيجة لاستغلال الثغرات في النظام الأمريكي. فمن خلال التعاقد مع شركات ضغط كبرى، تمكنت الإمارات من استخدام أدوات قانونية تمنحها نفوذًا غير مباشر في صناعة القرار.

إحدى أبرز هذه الأدوات كانت التبرعات السياسية الموجهة. فمن خلال شبكة من الشركات والمستشارين، استطاعت الإمارات ضخ الأموال إلى الحملات الانتخابية للنواب والشيوخ الذين يلعبون أدوارًا رئيسية في التشريعات المؤثرة عليها. على سبيل المثال، كشفت السجلات المالية أن 25.4% من إجمالي التبرعات المقدمة من شركة ADI ذهبت مباشرةً إلى أعضاء لجنتي القوات المسلحة والشؤون الخارجية، وهما اللجنتان اللتان تملكان صلاحيات واسعة في مراجعة صفقات الأسلحة والعلاقات الخارجية للولايات المتحدة.

هذا التغلغل سمح للإمارات بالحصول على دعم سياسي واسع النطاق داخل الكونغرس، حتى من بعض الأعضاء الذين ينتقدون سياساتها علنًا. فبينما يصدر بعض النواب تصريحات تدين دور الإمارات في السودان، تظهر السجلات أنهم حصلوا على تمويل سياسي منها، وهو ما يفسر غياب أي إجراءات حقيقية ضدها داخل الكونغرس.

الاستراتيجية الإماراتية لا تعتمد فقط على النفوذ داخل الكونغرس، بل تمتد أيضًا إلى علاقاتها مع الإدارات الأمريكية المتعاقبة. فقد كشف تقرير سري في أغسطس/آب 2024 أن الإمارات قدمت “عروض عمل مغرية” لمسؤولين سابقين في وزارة الخارجية والبنتاغون بعد انتهاء فترات خدمتهم، مما يضمن استمرار النفوذ الإماراتي داخل واشنطن حتى بعد تغير الإدارات السياسية.

اللوبي الإماراتي في الولايات المتحدة ليس مجرد شبكة ضغط سياسي، بل منظومة متكاملة تُمكّن الإمارات من التلاعب بالسياسات الأمريكية لحماية نفوذها الإقليمي، حتى عندما يكون هذا النفوذ مبنيًا على تسليح الميليشيات المتورطة في جرائم حرب. لقد ضخت أبو ظبي أكثر من 14 مليون دولار في شركات الضغط السياسي، واستثمرت أكثر من مليون دولار في التبرعات الانتخابية، ليس لتعزيز تحالفاتها فقط، بل لضمان أن يظل أي تحرك أمريكي ضدها محكومًا بالفشل قبل أن يبدأ.

في الوقت الذي ترتكب فيه قوات الدعم السريع مجازر ضد المدنيين في السودان، يبقى صمت واشنطن وعدم اتخاذها أي إجراءات جدية ضد الإمارات أمرًا لا يمكن فصله عن النفوذ الذي بناه اللوبي الإماراتي داخل الكونغرس والبيت الأبيض. فبدلًا من أن تُفرض عقوبات على أبوظبي بسبب دورها في الحرب، تتلقى صفقات أسلحة جديدة، ويتم التستر على دورها التخريبي عبر حملات إعلامية مدفوعة، وعلاقات سياسية تم شراؤها بالمال.

لكن هذا النفوذ، مهما كان قويًا، لا يمكن أن يُخفي الحقيقة إلى الأبد. مع استمرار الكشف عن وثائق تربط الإمارات بدعم الميليشيات، ومع تزايد الأصوات داخل الولايات المتحدة التي تطالب بالتحقيق في هذه العلاقات، يبدو أن قدرة اللوبي الإماراتي على طمس الحقائق قد لا تستمر طويلًا. ومع ذلك، فإن الثمن المدفوع حتى الآن ليس مجرد ملايين الدولارات، بل أرواح لا تُحصى في السودان، حيث تستمر الحرب التي كان يمكن إيقافها، لولا نفوذ سياسي يضع المصالح فوق العدالة.