في إعلان مفاجئ أثار تساؤلات أكثر من الترحيب، كشفت دولة الإمارات عن تقديم منحة مالية ضخمة لمستشفى المقاصد في القدس الشرقية، بقيمة 64.5 مليون دولار أمريكي. وعلى الرغم من أن الدعم الإنساني للقطاع الصحي الفلسطيني هو حاجة ملحة لا جدال فيها، فإن توقيت الإعلان، وطبيعة الجهة المانحة، والسياقات السياسية المصاحبة، تثير شكوكًا حقيقية حول النوايا الكامنة خلف هذه الخطوة، وسط مخاوف متزايدة من توظيف المساعدات كورقة ضغط سياسي، وأداة توسع للنفوذ في واحدة من أكثر القضايا حساسية في المنطقة.
منحة بغطاء صحي… ورسائل سياسية بين السطور
المستشفى المستفيد من هذه المنحة هو “مستشفى المقاصد الخيرية”، الواقع في قلب القدس الشرقية، المدينة المحتلة التي تشكل محور الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، ومركز الثقل الديني والسياسي للفلسطينيين. المنحة، التي جاءت بأمر مباشر من محمد بن زايد، رئيس دولة الإمارات، رُوّج لها على أنها “مكرمة إنسانية”، تهدف إلى دعم التشغيل والخدمات الطبية وتحديث المرافق.
لكن ماذا يعني أن تُمنح عشرات الملايين لمؤسسة صحية فلسطينية في القدس من طرف دولة متحالفة مع إسرائيل، وتقيم علاقات أمنية وعسكرية وثيقة معها، وتتورط في تطبيع مفتوح لم تراعِ فيه مشاعر الفلسطينيين أو مطالبهم الوطنية؟
توسيع النفوذ عبر القطاع الصحي
الحديث عن توظيف المنحة لتعيين كوادر طبية إماراتية داخل مستشفى المقاصد، تحت ذريعة الإشراف على تنفيذ المشروع وضمان الشفافية، يعزز من مخاوف الفلسطينيين من أن الهدف الحقيقي قد لا يكون إنقاذ المستشفى من العجز المالي، بل اختراق المؤسسات الحيوية في القدس، وتثبيت موطئ قدم للإمارات في المدينة المحتلة.
ففي ظل استمرار تهويد المدينة، وسعي الاحتلال إلى تفريغ القدس من طابعها العربي والإسلامي، يطرح مراقبون تساؤلات: هل تسمح إسرائيل للإمارات بتقديم هذا الدعم لولا توافق سياسي أو تنسيق أمني مسبق؟ وهل هذه “المكرمة” هي حقًا لفلسطين أم بإذن مسبق من تل أبيب، التي ترى في المال العربي وسيلة لترويض الوعي الفلسطيني وإضعاف المؤسسات الوطنية المستقلة؟
تجربة الإمارات في غزة: سابقة لا تُطمئن
التجربة الفلسطينية مع الدعم الإماراتي ليست وردية كما يتم الترويج لها. ففي قطاع غزة، لعبت الإمارات دورًا محوريًا في تقوية تيار سياسي منشق داخل حركة “فتح”، بقيادة محمد دحلان، المستشار الأمني لمحمد بن زايد، وهو ما ساهم في زيادة الانقسام الداخلي الفلسطيني، وزيادة حدة الفوضى في الساحة السياسية. وقد وُصف هذا التدخل حينها بأنه محاولة مكشوفة لبناء “نظام ظل” يخدم مصالح أبوظبي الأمنية أكثر مما يخدم الشعب الفلسطيني.
فهل تسعى الإمارات إلى تكرار التجربة ذاتها في القدس؟ وهل ستكون مستشفى المقاصد منصة جديدة لبسط النفوذ الناعم، عبر مداخل طبية وصحية وإنسانية؟ هذا ما يعتقده كثير من المراقبين، خاصة في ظل سياسة “شراء النفوذ” التي باتت سمة واضحة في تحركات الإمارات الإقليمية.
من القدس إلى رام الله: الرغبة في تجاوز القيادة الرسمية
يرى محللون أن منحة المقاصد قد تكون أيضًا محاولة لتجاوز القيادة الفلسطينية الرسمية، ممثلة بالرئيس محمود عباس والسلطة الوطنية، عبر تقديم الدعم المباشر للمؤسسات على الأرض دون المرور عبر القنوات الشرعية. وهي سياسة تسير في نفس الاتجاه الذي اتبعته الإمارات منذ توقيع اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل، حيث لم تتشاور مع السلطة الفلسطينية، ولم تأخذ بموقفها، بل سعت بشكل صريح لإضعافها.
وهو ما أكده تصريح سابق لمسؤول إماراتي بارز قال فيه: “علينا دعم الشعب الفلسطيني مباشرة، دون وسيط”، في إشارة إلى تجاهل السلطة. لكن هذا “الدعم المباشر” ليس بريئًا، إذ يتحول في الواقع إلى رافعة لتوسيع الحضور الإماراتي واختراق المؤسسات الحساسة، كالمدارس والمستشفيات والجمعيات، عبر المال والنفوذ.
“إنسانية مشروطة”: تقارير عن تحركات ميدانية إماراتية
تقارير إعلامية كشفت عن تواصلات غير معلنة جرت خلال الشهور الماضية بين مسؤولين إماراتيين وإدارات مؤسسات فلسطينية في القدس، شملت عروضًا لدعم مالي مقابل شراكة في الإدارة، أو تغييرات في الكادر الإداري، أو استقدام بعثات طبية إماراتية.
وفي حال تأكدت هذه المعلومات، فإننا أمام نموذج جديد لما يسمى “الإنسانية المشروطة”، حيث يتحول الدعم المالي إلى أداة سياسية لتشكيل القرار الفلسطيني، وتمرير الأجندات الإقليمية.
القدس ليست ساحة صفقات
القدس، بما تمثله من قيمة روحية وتاريخية، ليست ساحة للمساومات السياسية، ولا بوابة لإعادة تدوير النفوذ العربي من بوابة التطبيع. ومن الخطير أن تتحول المساعدات الإنسانية، مهما كانت أهميتها، إلى حصان طروادة يُستخدم لاختراق المؤسسات الوطنية، تحت مسميات براقة مثل “التضامن” و”دعم الأشقاء”.
لا أحد ضد إنقاذ المستشفيات… ولكن بشروط واضحة
إنقاذ مستشفى المقاصد أو غيره من المؤسسات الصحية الفلسطينية هو واجب إنساني، وأي دعم مالي في هذا الإطار مرحب به، شريطة أن يكون غير مشروط، وأن يُدار بشفافية فلسطينية خالصة، دون تدخل سياسي أو هيمنة خارجية. أما أن يتحول الدعم الصحي إلى مشروع نفوذ، وأن تستغل المعاناة لتمرير الأجندات، فهذه كارثة لا تقل خطرًا عن الاحتلال نفسه.
الفلسطينيون ليسوا بحاجة لمزيد من الفاعلين الإقليميين الذين ينظرون إليهم كأدوات في معادلاتهم السياسية، بل يحتاجون إلى شركاء حقيقيين يحترمون إرادتهم، ويدعمون صمودهم دون مقابل سياسي. والقدس، بالتحديد، تستحق أكثر من مجرد “منح” مشروطة… تستحق مواقف لا تقايض السيادة بالصورة ولا العزة بالاستثمار.