رفعت أربع منظمات حقوقية أمريكية بارزة دعوى قضائية ضد إدارة دونالد ترامب، متهمة إياها باستخدام نظام عقوبات “خانق” ضد المحكمة الجنائية الدولية بهدف تقويض جهود ملاحقة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وعلى رأسها التحقيقات المتعلقة بجرائم إسرائيل في فلسطين.

الدعوى، التي قُدمت أمام محكمة فدرالية يوم الثلاثاء، رفعتها كل من لجنة الأصدقاء الأمريكيين للخدمة، ومركز الحقوق الدستورية، وهيومن رايتس ووتش، ومعهد المجتمع المفتوح. وتقول المنظمات إن إدارة ترامب شنت “هجومًا غير قانوني بشكل صارخ على العدالة الدولية” عبر استهداف المحكمة الجنائية الدولية، ومسؤوليها، وقضاتها، وكل من يساعدها أو يتعاون معها.

وتطعن الدعوى في الأمر التنفيذي الذي أصدره ترامب في فبراير 2025، والذي سمح بفرض عقوبات على مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية وقضاتها وغيرهم ممن يدعمون تحقيقاتها في جرائم إسرائيل في فلسطين. وتُعد هذه التحقيقات واحدة من 18 تحقيقًا تشرف عليها المحكمة، ومقرها هولندا، في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية حول العالم.

ورغم أن الولايات المتحدة ليست عضوًا في المحكمة الجنائية الدولية، فإنها عارضت عملها لسنوات طويلة وسعت إلى عرقلته. لكن الهجوم الأمريكي تصاعد بشكل كبير بعد أن أصدر المدعي العام للمحكمة، في نوفمبر 2024، مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت بسبب جرائم ارتكبت في غزة.

وردت واشنطن بفرض عقوبات على مدعين عامين وقضاة في المحكمة، وعلى ثلاث منظمات حقوقية فلسطينية بارزة، وعلى فرانشيسكا ألبانيز، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية.

ولم يتوقف التصعيد عند العقوبات. فقد أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، في وقت سابق من هذا الصيف، حملة تهدف إلى “تفكيك” المحكمة الجنائية الدولية عبر الضغط على الدول الأعضاء للانسحاب منها. بهذا المعنى، لا تتعامل إدارة ترامب مع المحكمة كجهاز قضائي دولي، بل كخصم سياسي يجب شله عندما يقترب من إسرائيل أو من جرائم حلفاء واشنطن.

وتقول المنظمات الحقوقية في دعواها إن هذه العقوبات لا تستهدف المحكمة وحدها، بل تضرب حق الضحايا في الوصول إلى العدالة، وتجرّم عمل المحامين والحقوقيين والمنظمات التي تتعاون مع المحكمة لمكافحة الإفلات من العقاب. وتؤكد الدعوى أن الأمر التنفيذي ينتهك الحماية الدستورية لحرية التعبير وحرية تكوين الجمعيات في الولايات المتحدة، كما يتعارض مع التزامات واشنطن بموجب القانون الدولي.

وقالت كاثرين غالاغر، المحامية البارزة في مركز الحقوق الدستورية والتي تمثل ضحايا أمام المحكمة الجنائية الدولية، إن إدارة ترامب لم تكتف بحرمان الفلسطينيين وضحايا التعذيب الأمريكي من الوصول المتكافئ إلى العدالة، بل ذهبت إلى “تجريمهم ومعاقبتهم هم ومحاميهم ومدافعيهم وشركائهم”.

وأضافت أن ضحايا الجرائم الدولية، من السودان وأوكرانيا إلى فلسطين وأفغانستان، يحتاجون إلى محكمة جنائية دولية مستقلة وقوية قادرة على أداء مهمتها في إنهاء الإفلات من العقاب، دون خوف أو محاباة.

وتكشف الدعوى حجم الأثر العملي للعقوبات. فالأشخاص الذين استهدفتهم واشنطن بسبب عملهم مع المحكمة تعرضوا لحظر السفر، وأُغلقت أو جُمّدت حساباتهم المصرفية، وحُرموا من خدمات رقمية. وبسبب هيمنة المؤسسات المالية والتكنولوجية الأمريكية عالميًا، امتدت آثار العقوبات إلى خارج الولايات المتحدة، وعرقلت قدرة هؤلاء الأشخاص على الوصول إلى خدمات في دول أخرى.

لكن الضرر لم يقتصر على الأفراد أو الجهات الخاضعة مباشرة للعقوبات. فالمنظمات الأربع التي رفعت الدعوى تقول إن نظام العقوبات عرقل قدرتها على تمثيل الضحايا أمام المحكمة، وتقديم مذكرات قانونية وسياسية إليها، والتعاون مع المنظمات الفلسطينية المعاقبة في قضايا التقاضي، وحملات المناصرة، والبحث، وجهود المساعدة الإنسانية.

وقالت غالاغر خلال مؤتمر صحفي عقدته المنظمات إن تهديد العقوبات الجنائية والمدنية الشديدة جعل استمرار عملها كمحامية أمام المحكمة محفوفًا بخطر الملاحقة أو الغرامات. وأوضحت أنها توقفت لذلك عن ممارسة عملها النشط أمام المحكمة الجنائية الدولية، مؤكدة أن الحكومة لا يمكنها أن تملي على المحامين من يمثلون، ومن يُمنع من المحاسبة، وأي محكمة يُسمح باللجوء إليها لتحقيق العدالة.

وتظهر خطورة العقوبات أيضًا في حالة منظمة الحق الفلسطينية، وهي من بين المنظمات التي استهدفتها إدارة ترامب بسبب تعاونها مع المحكمة. فقد قال مديرها شعوان جبارين إن العقوبات حرمت المنظمة من الوصول إلى حساباتها المصرفية ومن معالجة التبرعات، ما ترك نحو 45 موظفًا دون رواتب.

لكن الأثر، بحسب جبارين، تجاوز المسائل المالية والإدارية. فقد خلقت العقوبات مناخًا من الخوف، دفع حلفاء قدامى للمنظمة إلى قطع التواصل معها لتجنب مخالفة نظام العقوبات الأمريكي، الذي قد تصل عقوباته إلى السجن 20 عامًا وغرامات ضخمة. وقال جبارين إن معظم الشركاء، إن لم يكن جميعهم، توقفوا عن العمل مع المنظمة أو التواصل معها بشكل رسمي وعلني.

وتأتي هذه الدعوى بعد دعوى أخرى رُفعت الشهر الماضي من قبل منظمة الديمقراطية الآن للعالم العربي، المعروفة باسم DAWN، ومقرها واشنطن، وتحالف دافعي الضرائب ضد الإبادة الجماعية في نيويورك. كما جاءت بعد طعون قانونية قدمها بعض الأفراد المستهدفين بالعقوبات أنفسهم، بينهم عائلة فرانشيسكا ألبانيز وثلاثة من قضاة المحكمة الجنائية الدولية الحاليين.

وقال جيمس غولدستون، المدير التنفيذي لمبادرة العدالة في المجتمع المفتوح، إن العقوبات تمثل هجومًا على سيادة القانون، وعلى القضاة والمدعين المستقلين، وعلى المجتمع المدني في الولايات المتحدة وحول العالم.

وأضاف أن المحاكم المستقلة لا يمكن أن تعمل إلا إذا كان القضاة والمدعون والحقوقيون أحرارًا في أداء عملهم دون خوف من الانتقام السياسي. وأكد أن الأمر التنفيذي يحمي مرتكبي جرائم الحرب من التدقيق، بينما يعاقب من يسعون إلى المحاسبة، مشددًا على أن العدالة يجب أن تكون عادلة ومحايدة، لا أن تُستخدم فقط ضد خصوم أمريكا.

ما تكشفه الدعوى أن إدارة ترامب لا تدافع عن “السيادة الأمريكية” كما تزعم، بل تستخدم العقوبات كسلاح سياسي لحماية إسرائيل من المساءلة. فحين تتحرك المحكمة الجنائية الدولية ضد خصوم واشنطن، يجري الترحيب بها أو توظيفها سياسيًا. أما حين تقترب من جرائم الاحتلال الإسرائيلي في غزة وفلسطين، تتحول المحكمة في نظر الإدارة الأمريكية إلى هدف يجب معاقبته وتفكيكه.

الدعوى الجديدة تمثل مواجهة مباشرة بين المجتمع المدني الأمريكي وإدارة ترامب حول سؤال أساسي: هل يمكن لواشنطن أن تجرّم العمل الحقوقي والقانوني فقط لأنه يطالب بمحاسبة إسرائيل؟ وهل تتحول العقوبات الأمريكية إلى أداة لإسكات الضحايا ومحاميهم ومنظماتهم بدل ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب؟

المعركة لا تخص المحكمة الجنائية الدولية وحدها، ولا فلسطين وحدها. إنها معركة حول مستقبل العدالة الدولية نفسها: إما أن تبقى المحاسبة مبدأً عامًا يطال الجميع، أو تتحول إلى أداة انتقائية تُستخدم ضد أعداء واشنطن وتُمنع عن حلفائها.