في نهاية مسار طويل من الدم والمنفى والملاحقات القضائية، توفي رفعت الأسد، شقيق الرئيس السوري السابق حافظ الأسد، اليوم الأربعاء في دولة الإمارات عن عمر ناهز 88 عامًا، وفق ما نقلته رويترز عن مصدرين مطلعين. رحيل رفعت، المعروف تاريخيًا بلقب “جزار حماة”، لا يُسدل الستار على واحدة من أبشع الجرائم في تاريخ سوريا الحديث، بل يعيد فتح ملف مجزرة حماة عام 1982، بوصفها جريمة دولة مكتملة الأركان، ارتبط اسمه بها بوصفه القائد العسكري المباشر.

جريمة بلا تقادم
لم يكن رفعت الأسد مجرد ضابط في الجيش، بل كان أحد أعمدة النظام الأمني الذي تشكّل بعد انقلاب عام 1970. تدرّج في المناصب، وأسّس “سرايا الدفاع” التي تحولت إلى قوة ضاربة منفلتة من أي مساءلة، قبل أن يقودها في حصار حماة نهاية يناير/كانون الثاني 1982. حينها، حوصرت المدينة بنحو 20 ألف جندي، وأُغلقت مداخلها، لتبدأ في مساء الثاني من فبراير/شباط حملة قصف مكثف من كل الاتجاهات، استمرت أسابيع، وانتهت بدمار واسع وقتل جماعي.
وفق تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان الصادر عام 2022، أسفرت المجزرة عن قرابة 40 ألف قتيل و17 ألف مفقود، وتدمير 79 مسجدًا و3 كنائس، وأحياء كاملة من المدينة. هذه الأرقام لم تُوثّق فقط حجم العنف، بل كشفت نمطًا ممنهجًا من الإبادة، صُمّم لإخضاع مدينة بكاملها عبر الرعب الجماعي.
من شريك السلطة إلى صراع العائلة
كان رفعت شريكًا أساسيًا لأخيه حافظ في تثبيت الحكم الحديدي، لكنه لم يتخلّ يومًا عن طموحه للرئاسة. وبعد وفاة حافظ عام 2000، عارض انتقال السلطة إلى بشار الأسد، وأعلن نفسه “الوريث الشرعي”، في تحدٍّ انتهى سريعًا بإقصائه. أمضى سنوات طويلة في المنفى، خصوصًا في فرنسا، حيث ظلّ يقدّم نفسه بديلًا محتملًا، من دون أن ينجح في كسب دعم حقيقي داخل بنية النظام.
ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، عاد رفعت إلى الواجهة من الخارج، داعيًا بشار إلى التنحي المبكر “لتفادي حرب أهلية”، في محاولة لإعادة تموضع سياسي. لكنه في الوقت نفسه سعى إلى تبرئة ابن أخيه جزئيًا، محمّلًا “تراكم الأخطاء” مسؤولية الانفجار الشعبي، في خطاب هدفه إبعاد المسؤولية الجنائية عنهما معًا.
عودة مشروطة وفرار أخير
في عام 2021، سمح بشار الأسد لعمه بالعودة إلى سوريا، بعد سنوات من الإدانة القضائية في فرنسا بتهم حيازة ممتلكات بملايين اليوروهات عبر أموال مختلسة من الدولة السورية. التُقطت حينها صورة عائلية جمعت رفعت ببشار، في رسالة سياسية تعكس منطق الإفلات من العقاب داخل العائلة الحاكمة. لكن هذا “الاحتواء” لم يدم طويلًا؛ فمع سقوط بشار عام 2024، حاول رفعت الفرار عبر قاعدة جوية روسية، قبل أن يُمنع من الدخول ويعبر لاحقًا إلى لبنان، بحسب رويترز.
ملاحقات قضائية بلا تنفيذ
رغم إنكاره العلني لمسؤوليته عن مجزرة حماة في مقابلات إعلامية عام 2011، وتحميله حافظ الأسد المسؤولية، ظلّ رفعت هدفًا لملاحقات قضائية دولية. في بريطانيا، جُمّدت أصوله بملايين الجنيهات الإسترلينية، ومُنع من بيع ممتلكاته. وفي إسبانيا، صودرت ممتلكات أسرته وجُمّدت حساباتها في إطار تحقيقات غسل أموال. كما أصدر القضاء الفدرالي السويسري في أغسطس/آب 2023 مذكرة اعتقال بحقه بتهمة الضلوع في جرائم حرب عام 1982.
وعلى صلة بالعائلة، فرض الاتحاد الأوروبي في مايو/أيار 2023 عقوبات على ابنه مضر، على خلفية قضايا تتعلق بالمخدرات وانتهاكات حقوق الإنسان، في إشارة إلى امتداد الشبكات غير المشروعة عبر الأجيال.
موت الجسد وبقاء الجريمة
برحيل رفعت الأسد، يموت أحد أبرز منفذي العنف المنهجي في سوريا، لكن الجريمة لا تموت. مجزرة حماة ستظل شاهدًا على سياسة الإبادة التي بُني عليها حكم الأسد، وعلى عجز العدالة الدولية عن محاسبة الجناة في الوقت المناسب. موت “المجرم” في سريره لا يُنهي القضية، بل يضع المجتمع الدولي أمام سؤال أخلاقي وقانوني: كيف تُترك جرائم بهذا الحجم بلا قصاص، فيما تُطوى الصفحات بوفاة الفاعلين؟
الجواب، كما تثبته حماة، أن الذاكرة أقوى من النسيان، وأن الجرائم الكبرى—ولو أفلت مرتكبوها أحياء—تبقى حيّة في الوعي الجمعي، تطالب بالعدالة ولو بعد حين.
اقرأ أيضًا : قمعٌ في الزنازين ودعمٌ للاحتلال: انتهاكات أردنية بحق معتقلي “دعم المقاومة”