تجربة الصحفي الأسترالي بيتر غريست القاسية داخل السجون المصرية تتحول إلى عمل سينمائي جديد بعنوان The Correspondent، يعيد سرد فصول الاعتقال، والاتهامات الملفقة، والمحاكمة المسيسة، ويكشف حجم معاناة صحفي كان يؤدي عمله فقط. الفيلم يأخذ المشاهد إلى ما هو أبعد من نشرات الأخبار التي غطّت قصته في 2014، ليكشف ما لم يُرَ من تفاصيل إنسانية وسياسية وقانونية شكّلت ما يشبه العقوبة مدى الحياة رغم الإفراج الفعلي.
يؤدي الدور الرئيسي في الفيلم الممثل الأسترالي ريتشارد روكسبيرغ، الذي علّق بسخرية على مشاركته قائلاً: “لا مهرب من وجهي طوال مدة الفيلم”. بيتر غريست حُكم عليه بسبع سنوات في سجن مصري، وقضى فعليًا 400 يومًا خلف القضبان، لكن رغم خروجه في 2015، فإن اسمه لا يزال مدرجًا كـ”إرهابي مدان” بقرار من محكمة صورية في القاهرة، وهو ما أثر عليه حتى اليوم، حيث رُفضت مؤخرًا معاملته كمسافر عادي أثناء توقفه في أوكلاند، نيوزيلندا، واضطر إلى الاستنجاد بوزارة الخارجية الأسترالية ليُسمح له بالعبور، وأي دولة لديها اتفاقية تسليم مع مصر قد تعتقله.
المخرج كريف ستندرز، المعروف بأفلام مثل Red Dog وAustralia Day، أراد أن ينقل معاناة غريست بدقة، فصوّر الفيلم بحيث يكون روكسبيرغ حاضرًا في كل مشهد، في تجربة وصفها الممثل بأنها “أقرب إلى تجربة اجتماعية قاسية”. يقول: “رغم أن التصوير لم يتجاوز ستة أسابيع، إلا أنه بدا كأنني أعيش أيام غريست الـ400“.
بدأت قصة الاعتقال عندما طرقت الشرطة العسكرية باب غرفة فندق غريست في القاهرة، قبل أيام من عيد الميلاد في 2013، واعتقلته مع زميليه في قناة الجزيرة، محمد فهمي وباهر محمد. كانت مهمتهم تغطية الأوضاع السياسية، لكن مع تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية قبل ثمانية أيام من الواقعة، أصبح غريست هدفًا سهلًا.
في المحكمة، وُجهت إلى غريست وزملائه تهم متعلقة بالإرهاب وتشويه سمعة مصر؛ حتى مبلغ 1500 دولار – وهو بدل سفر رسمي من القناة – استُخدم كدليل على تمويل الإرهاب. ووسط أجواء مسيسة بالكامل، لم يكن هناك أي ضمانة لمحاكمة نزيهة.
الفيلم يُظهر ما لم تقله نشرات الأخبار: التوترات داخل الزنزانة، الخلافات بين الزملاء الثلاثة، خصوصًا عندما اختلفت استراتيجياتهم في التعامل مع المحامين والمحكمة. وكان من أبرز ما جاء في الفيلم، لحظات الدعابة وسط القهر، مثل لعبة الطاولة التي كان يفوز بها باهر دائمًا باستخدام بذور قرع بدلاً من النرد.
قال غريست إن محمد فهمي كان يرى الأمور بمنظور مختلف، وكان من المهم أن يُعرض هذا المنظور على الشاشة، حتى لو لم يتفق معه الجميع، لأن الواقع داخل السجن لم يكن أحاديًّا.
رغم أن الفيلم قد يُظهر الحكومة الأسترالية وسفارتها بأقل مما كانت عليه فعليًا، إلا أن غريست يعترف بأن إطلاق سراحه لم يكن ليتم لولا تدخل حكومة لاتفيا، والتي يحمل جنسيتها أيضًا، حيث مارست ضغطًا كبيرًا عبر بروكسل. أُطلق سراحه عام 2015، لكنه لا يزال محكومًا عليه، ويمكن اعتقاله في أي بلد لديه اتفاقية تسليم مع مصر.
من الشخصيات المؤثرة التي ظهرت في الفيلم أيضًا، الناشط المصري البريطاني علاء عبد الفتاح، الذي شكل دعمًا نفسيًا لغريست داخل السجن. وكان من المقرر إطلاق سراح علاء في سبتمبر الماضي، لكنه لا يزال معتقلًا، مع تمديد الحكم ضده حتى يناير 2027 دون توضيح. علاء ووالدته يخوضان الآن إضرابًا عن الطعام، وهو ما دفع غريست إلى الإضراب تضامنًا معهم لمدة 21 يومًا في يناير الماضي. ويقول غريست: “الإضراب عن الطعام هو السلاح الأخير لمن لا يملكون شيئًا… عندما يُسلب منك كل شيء، لا يبقى لك إلا جسدك.”
لكن الفيلم لا يركّز فقط على التجربة الشخصية، بل يفتح الباب للحديث عن تدهور حرية الصحافة في العالم، فغريست، المؤسس المشارك لتحالف حرية الصحفيين، يُحذر من تراجع الحريات حتى في دول مثل الولايات المتحدة وأستراليا.
في أمريكا، مُنعت وكالة أسوشيتد برس من حضور مؤتمرات البيت الأبيض، وتم تقليص تمويل إذاعات عامة مثل صوت أمريكا وراديو أوروبا الحرة، وفي أستراليا نفسها، تراجعت الدولة من المرتبة 18 إلى 36 في مؤشر حرية الصحافة، وسط قوانين تشهير صارمة واحتكار إعلامي وتشريعات أمنية خانقة.
يقول غريست: “لم نكن نتخيل أن خطاب ترامب يمكن أن يتحول إلى هجوم فعلي على الصحافة“، ويضيف في تعليق لاذع: “الوحيد الذي تمت محاكمته في قضية جرائم الحرب الأسترالية في أفغانستان هو من فضحها”، في إشارة إلى المحامي العسكري ديفيد ماكبرايد، المسجون حاليًا بعد أن كشف انتهاكات الجيش الأسترالي.
الجزء المتبقي من الحكم على غريست لا يزال قائمًا، ويمكن أن يُفعّل في أي دولة توقع على اتفاقيات تسليم مع مصر، خاصة دول إفريقيا.
أما الممثل روكسبيرغ، فلم يزر مصر من قبل، ويتساءل إن كان مجرد تمثيله لغريست قد يعرضه للملاحقة، وغريست يرد مازحًا: “سأطرحه أرضًا بأسلوب الرجبي إن حاول الصعود إلى طائرة متجهة إلى القاهرة.”