في وقت تتواصل فيه حرب الإبادة الجماعية التي تشنها قوات الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة، شهدت الضفة الغربية المحتلة موجة جديدة من اعتداءات المستوطنين المسلّحين ضد المدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم.
الاعتداءات التي أسفرت عن إصابة ثلاثة فلسطينيين بالحروق وتخريب أراضٍ ومركبات، جاءت على وقع دعوات إسرائيلية للانتقام بعد عملية إطلاق نار في مستوطنة “راموت” بالقدس المحتلة أسفرت عن مقتل ستة مستوطنين وإصابة العشرات.
وبينما يتسع نطاق العنف المنظم، يكشف صمت السلطة الفلسطينية، بقيادة محمود عباس، حجم العجز والتواطؤ الذي يسهّل على المستوطنين ارتكاب جرائمهم اليومية بلا رادع.
![]()
تفاصيل الاعتداءات الميدانية
بحسب وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا) وجمعية الهلال الأحمر، أصيب ثلاثة فلسطينيين بالحروق بعد أن أضرم مستوطنون النار في مشتل زراعي بقرية دير شرف غرب نابلس. الاعتداء لم يقتصر على ذلك، بل امتد ليشمل إحراق أراضٍ مزروعة بأشجار الزيتون في قرية يتما جنوب المدينة، في استهداف متكرر لرمز الصمود الفلسطيني المتمثل في شجرة الزيتون.
كما شهدت قرية بورين مواجهات عنيفة عقب هجوم المستوطنين على منازل الأهالي، فيما تعرضت عشرات المركبات الفلسطينية للرشق بالحجارة قرب مستوطنة “يتسهار”. وتحدث شهود عيان عن تجمهرات للمستوطنين على حاجزي بيت فوريك وعورتا شرق وجنوب نابلس، حيث جرى إغلاق الطرق ومنع تنقل الفلسطينيين. أما شمال شرق رام الله، فقد هاجم المستوطنون مركبات على الطريق الرئيسي بين رام الله ونابلس، مما أدى إلى تحطيم زجاج عدد منها.
وفي أريحا، لم تسلم التجمعات البدوية من الاعتداءات، إذ أقدم مستوطنون على اقتحام تجمع “شلال العوجا” وقطعوا خط الكهرباء المغذي له، ما تسبب بانقطاع التيار عن عشرات العائلات، وزاد من معاناة الأطفال وكبار السن. هذه الهجمات، التي تتكرر بوتيرة يومية، ليست سوى حلقة ضمن مخطط استراتيجي للتضييق على الوجود الفلسطيني ودفعه نحو الرحيل القسري.
أرقام صادمة وتواطؤ فاضح
التقارير الفلسطينية توثق بشكل متزايد تصاعد الإرهاب الاستيطاني، إذ سجلت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أكثر من 431 اعتداء للمستوطنين خلال شهر آب/ أغسطس وحده، تراوحت بين هجمات مسلحة وعمليات تخريب وتجريف أراضٍ واقتلاع أشجار. هذه الأرقام تكشف أن ما يجري ليس اعتداءات فردية عابرة، بل سياسة ممنهجة تشجعها حكومة الاحتلال، التي ترى في المستوطنين أداة ضغط وذراعًا موازية للجيش في فرض وقائع على الأرض.
المفارقة أن هذه الجرائم تجري أمام أعين السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية التي تواصل التنسيق مع الاحتلال تحت ذريعة “الحفاظ على الاستقرار”. صمت محمود عباس على جرائم حرق البيوت والمزارع، والاعتداءات على القرى، ليس سوى خيانة مكشوفة لتضحيات الفلسطينيين. فبدلًا من حماية أبناء شعبه، ينشغل رئيس السلطة بلقاءات شكلية مع مسؤولين دوليين، مكرسًا نفسه كغطاء سياسي للاحتلال.
الضفة بين مطرقة الاستيطان وسندان الخيانة
تأتي اعتداءات المستوطنين في الضفة متزامنة مع المجازر المتواصلة في قطاع غزة، حيث تجاوز عدد الشهداء 64 ألفًا، بينهم عشرات الآلاف من النساء والأطفال، فضلًا عن مئات آلاف النازحين والمفقودين. هذه المجازر، المدعومة أمريكيًا، تتكامل مع مشروع استعماري يهدف إلى تفريغ الأرض من سكانها الأصليين في الضفة والقطاع على حد سواء.
لكن الأخطر من الاحتلال هو غياب قيادة فلسطينية حقيقية تواجه هذا المشروع. محمود عباس، الذي يفترض أن يكون صوت الشعب، يواصل سياسة الانبطاح، صامتًا أمام الاعتداءات، وعاجزًا عن اتخاذ أي خطوة ميدانية أو سياسية. خيانته تتجلى في استمرار التنسيق الأمني مع الاحتلال، وفي ملاحقة المقاومين بدل حمايتهم، وهو ما يمنح المستوطنين غطاء إضافيًا لارتكاب جرائمهم.
المجتمع الدولي وشعارات بلا فعل
رغم إدانات شكلية تصدر أحيانًا من الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي، إلا أن المجتمع الدولي يغض الطرف عن جرائم الاستيطان اليومية. فلا عقوبات تُفرض على إسرائيل، ولا محاكمات تفتح بحق المستوطنين الذين يحرقون الحقول والمنازل. هذا الصمت الدولي يتقاطع مع صمت السلطة الفلسطينية، ليترك الفلسطينيين وحيدين في مواجهة منظومة عنف مركبة: جيش الاحتلال، ميليشيات المستوطنين، وخيانة قيادتهم الرسمية.
خاتمة: بين صمود الشعب وخيانة القيادة
اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية ليست مجرد حوادث متفرقة، بل سياسة ممنهجة لإرهاب الفلسطينيين ودفعهم نحو النزوح، ضمن مخطط استعماري يستند إلى دعم عسكري وسياسي أمريكي. وفي مواجهة هذا الإرهاب، يبرز صمود القرى الفلسطينية وأهلها الذين يواجهون بصدورهم العارية ميليشيات المستوطنين.
لكن هذا الصمود يصطدم بخيانة القيادة الرسمية التي يمثلها محمود عباس، الذي يلوذ بالصمت ويتخلى عن واجبه في الدفاع عن شعبه. إن جريمة الاستيطان المستمرة لا يمكن فصلها عن جريمة الصمت، ولا عن تواطؤ قيادة تحولت إلى شريك ضمني للاحتلال. وحده الشعب الفلسطيني، بوعيه ومقاومته وصموده، يظل الرقم الصعب الذي يحبط مشاريع التهجير والإبادة، رغم كل التضحيات.
اقرأ أيضًا : كاتس يهدد بتدمير غزة مجددًا.. تصعيد لفظي يترجم إلى سياسة إبادة