في وقتٍ كان السودان يستعد لعودة جزئية للحياة المدنية عبر إعادة تشغيل مطار الخرطوم الدولي بعد أكثر من عامين على توقفه، عادت أصوات الطائرات المسيّرة لتدوي مجددًا في سماء العاصمة، لتعيد إلى الأذهان مشاهد الخراب والدمار التي خلّفتها الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، حربٌ لم تهدأ نارها رغم الوساطات الدولية، ولم تتوقف أذرعها الخارجية عن صبّ الزيت على اللهب، وعلى رأسها الإمارات التي تتهمها تقارير أممية بأنها الممول الرئيس للدعم السريع.

استهداف المطار وعودة الهواجس الأمنية
قال مصدر حكومي مطّلع لقناة الجزيرة إن قوات الدعم السريع نفّذت فجر الثلاثاء هجومًا بطائرات مسيّرة استهدف مطار الخرطوم الدولي، وهو ما أكدته مراصد الجيش السوداني التي رصدت تحليقًا مكثفًا للمسيّرات في سماء جنوب العاصمة. وأضاف المصدر أن الدفاعات الأرضية تصدّت للهجوم، وأن الخسائر “محدودة”، دون الإشارة إلى طبيعتها أو حجم الأضرار المادية.
وكانت سلطة الطيران المدني قد أعلنت، قبل ساعات من الهجوم، استئناف الرحلات الداخلية من مطار الخرطوم بدءًا من يوم الأربعاء، بعد إغلاق دام 921 يومًا نتيجة الدمار الكبير الذي لحق بالمطار منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023. هذه الخطوة كانت تُعد رمزًا لبدء مرحلة من الاستقرار النسبي، غير أن الهجوم الأخير أعاد الملف الأمني إلى الواجهة، وأظهر هشاشة الوضع الميداني في قلب العاصمة.
الجيش يرد في الغرب والدعم يوسّع نطاق القصف
في المقابل، ردّ الجيش السوداني بهجمات جوية استهدفت مواقع لقوات الدعم السريع في مدينة كبكابية، الواقعة على بعد نحو 150 كيلومترًا غرب مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور. وقال مصدر عسكري للجزيرة إن القصف استهدف مخازن ذخيرة ومقرات للشرطة كانت تحت سيطرة الدعم السريع.
وفي الوقت ذاته، نفّذت قوات الدعم هجومًا جديدًا بمسيّرات على مدينة الأبيّض في شمال كردفان، ما أدى إلى إصابات في صفوف المدنيين. وأكدت مصادر محلية أن الدعم السريع دأب على استخدام المسيّرات ضد المناطق المأهولة خلال الأشهر الأخيرة، في ما وصفه الجيش بـ”استراتيجية إرهاب المدنيين لكسر إرادتهم”.
الإمارات في مرمى الاتهامات
الهجوم على مطار الخرطوم لم يكن حدثًا معزولًا في مسار الحرب، بل يأتي ضمن تصعيد مستمر تغذّيه أطراف إقليمية، أبرزها الإمارات التي وُجهت إليها اتهامات متكررة بتزويد قوات الدعم السريع بالسلاح والمسيّرات عبر طرق تهريب معقّدة تمرّ من ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى.
تقارير الأمم المتحدة ومنظمات بحثية مثل “كونفليكت أرممنت ريسيرش” وثّقت سابقًا استخدام الدعم السريع لمسيّرات صينية الصنع يُعتقد أنها وصلت عبر قنوات إماراتية. كما أشارت مصادر دبلوماسية إلى أن أبو ظبي وفّرت دعمًا ماليًا ولوجستيًا كبيرًا لقائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، في إطار ما يوصف بمحاولة إماراتية لإعادة تشكيل المشهد السياسي والعسكري في السودان بما يخدم مصالحها الاقتصادية في الذهب والموانئ.
وبحسب مراقبين، فإن استمرار دعم الإمارات لحميدتي يهدد بتفكيك ما تبقّى من الدولة السودانية، ويقوّض فرص أي تسوية سياسية، إذ ترى أبو ظبي في إضعاف الجيش السوداني وسيلة لتأمين نفوذها الإقليمي الممتد من القرن الأفريقي إلى الساحل والصحراء.
كارثة إنسانية تتفاقم
منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، قُتل أكثر من 20 ألف شخص، فيما تجاوز عدد النازحين واللاجئين 15 مليونًا، بحسب الأمم المتحدة. وتشهد ولايات دارفور الخمس، خصوصًا مدينة الفاشر، أوضاعًا إنسانية كارثية نتيجة الحصار الذي تفرضه قوات الدعم السريع منذ مايو/أيار الماضي، مما أدى إلى انقطاع المساعدات الغذائية والطبية.
الفاشر، التي تُعد مركزًا رئيسيًا لعمليات الإغاثة في الإقليم، باتت على شفا مجاعة جماعية، بينما تحذّر الأمم المتحدة من أن استمرار القتال سيؤدي إلى “انهيار تام للنظام الإنساني في غرب السودان”.
دلالات التصعيد وتوقيت الهجوم
يُقرأ هجوم مطار الخرطوم في توقيت بالغ الحساسية، فبينما يسعى الجيش لإظهار أنه استعاد السيطرة على العاصمة منذ إعلان “تطهيرها” في مارس/آذار الماضي، تأتي العملية لتكسر هذا الخطاب وتعيد قوات الدعم إلى واجهة المشهد، كقوة قادرة على تهديد قلب الدولة حتى بعد مرور أكثر من عامين على الحرب.
ويرى مراقبون أن توقيت الهجوم يهدف إلى توجيه رسالة مزدوجة: الأولى للجيش السوداني بأن الدعم السريع لا يزال يمتلك زمام المبادرة الجوية رغم تراجعه في الميدان، والثانية للوسطاء الإقليميين والدوليين بأن أي حديث عن تسوية دون ضمانات لحميدتي سيكون بلا جدوى.
في الختام: حرب بلا نهاية وراعية في الظل
الهجوم الأخير على مطار الخرطوم يعيد التأكيد على أن الحرب السودانية لم تعد صراعًا داخليًا محضًا، بل تحوّلت إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، حيث تلعب الإمارات دورًا محوريًا في دعم أحد أطرافها على حساب وحدة السودان واستقراره.
وبينما تتحدث الحكومة السودانية عن “خسائر محدودة” في الهجوم، تبدو الخسائر السياسية والإنسانية أوسع بكثير، إذ يترسّخ الانقسام، وتتراجع فرص الحل، وتزداد معاناة المدنيين في ظل حربٍ تُدار بالوكالة وبالمسيّرات، وبدعمٍ خبيثٍ يأتي من وراء البحار، يحمل بصمة أبوظبي بوضوح.
اقرأ أيضًا : جريمة الاحتلال تتواصل: 288 ألف أسرة مشردة في غزة بحاجة إلى إيواء عاجل وسط دمار شامل